ومن ملك أمة يُوطَأ مثلها من أي شخص كان، حرم عليه وطء ومقدماته قبل استبراء حامل بوضع، ومن تحيض بحيضة وآيسة وصغيرة بشهر.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يتعلق هذا الفصل بالعدة، والإحداد والاستبراء، والحكمة في ذلك عدم اختلاط الأنساب، وذلك أن الرحم إذا كان مشغولا بحمل لم يجز لغير الزوج أو السيد وطء تلك المرأة التي انشغل رحمها بحمل من زوج، فإن ذلك فيه شيء من اختلاط الأنساب.
وهكذا لو علقت بحمل ثم طلقت وتزوجت، أو توفي عنها وتزوجت، فإنه لا يدرى هل الولد للأول أو للثاني، وقد يتنازعانه فكل منهما يدعي أنه منه، وقد يكون ذلك سببا في أن الولد يتعقد ولا يدري هل هو ولد هذا أو ولد هذا.
فهذا هو السبب؛ ولأجل ذلك حرم وطء الحامل، ثبت الحديث من قوله - صلى الله عليه وسلم -"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماؤه زرع غيره".
وهذا على وجه الاستعارة، يعني فلا يطأ امرأة غيره إذا كانت حاملا، فإنه يسقي ذلك الولد من مائه الذي هو المني، وإذا فعل -وطئ المرأة الحامل- فربما ينسب الولد إليه وهو ليس ولدا له.
فذكروا أيضا أن وطء الحامل يزيد في بصر الحمل أو في قوته أو نحو ذلك، فيكون الولد مشترَكا فيه هذا وهذا.
ولهذا ... الحكمة من هذا الباب الذي هو العدد كان أهل الجاهلية لا يبالون باختلاط الأنساب، فالحديث الذي في البخاري عن عائشة ذكرت: أن النكاح في الجاهلية على أقسام، ذكرت منها قسما: الزواني اللآتي ينصبن الأعلام على بيوتهن، وهن العاهرات، فكل من رأي هذا العَلَم عرف أنه على امرأة بغي.
وقسم آخر: وهو الاستبضاع: أن الرجل يرسل امرأته إلى رجل شريف ويقول لها: اذهبي استبضعي منه، يعني مكّنيه من نفسك حتى تعلقي بولد؛ ليكون ولدا لنا، ويكون فيه أفعال من أفعال ذلك الشريف، من شجاعة أو كرم أو بسالة أو قوة، فيكون هذا فيه أيضا اشتراك في هذا الولد.
وذكرت أيضا قسم الاشتراك، وهو أنه يتفق خمسة أو عشرة يدخلون على المرأة وكل منهم يطؤها، وإذا علقت بالحمل وضعت حملها أرسلت إليهم وقالت: قد علمتم ما حصل منكم، وقد وجد هذا الولد، ثم إنها تختار واحدا منهم وتعلقه به: هو لك يا فلان. ولا يستطيع أن يرد ذلك فيتبناه.
ولما جاء الإسلام حدد النكاح، حدد الزواج المباح الذي هو وطء الزوجة بنكاح صحيح، أو وطء الأمة بملك يمين، وما عدا ذلك فإنه محرم.
وحرم على المطلقة أو المتوفى عنها أن تتزوج حتى تستبرئ رحمها، وذلك بشرع هذه العدة، وجعل العدة أكثر من مدة الاستبراء -كما سيأتي في هذه الأقسام- وكل ذلك من مصالح العباد، وفيه فوائد عظيمة تدل على أن الإسلام راعى الزوجية، وأنه جاء بالمصالح ودرء المفاسد.
ففي هذا الفصل ذكر العدد، ونعرف أن العدد قد بينها القرآن بيانا مجملا فذكر الله عدة الحامل في قوله تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [1] .
(1) - سورة الطلاق آية: 4.