[1] والآن تركت الإنفاق عليَّ خمسة أشهر، أو عشرة أشهر، أعطني نفقة الماضي. لا تطالبه بذلك؛ لأنها نفقة قريب، وهي تسقط بمضي الزمان، وكذلك نفقة بقية الأقارب، تسقط بمضي الزمان.
يقول هنا:"وإن امتنع من وجبت عليه، رجع عليه منفق بنية الرجوع". صورة ذلك: إذا امتنع الوالد من النفقة على أولاده؛ إما لإعسار، وإما لغيبة، وإما لسخط، سخط على أولاده وقال: لا أنفق عليكم، موتوا جوعًا. ثم إن أحد الجيران أخذ ينفق عليهم ويحسب: أنفقت عليهم في شهر كذا ألفا، وفي الشهر الذي بعده ثمانمائة، وفي الشهر الذي بعده خمسمائة.
في هذه الحال يطالبه، يقول: رأيتهم كادوا يموتون جوعًا، فرفقت بهم وأنفقت عليهم، وكتبت ما صرفته عليهم، صرفت عليهم كذا وكذا في خبوز، وكذا وكذا في أرز، وكذا وكذا -مثلًا- في قهوة، وكذا وكذا في شاي، وكذا في كسوة، وكذا في لحم، الجميع ألف أو ألفان.
يطالبه، يلزم الأب أن يعطيه؛ لأنه أنفق بنية الرجوع، ناويًا أن يرجع على والدهم، وهكذا غير الوالد: لو أن إنسانًا تجب نفقته على أخيه الشقيق، ثم إن الأخ الشقيق الذي هو غني، تغيب لمدة شهر، كان هناك جارٌ له أخذ ينفق عليه ويعد: أنفقت في الأسبوع الأول مائة، الأسبوع الثاني مائتين، الأسبوع الثالث مائة وخمسين، أخذ يحسب عليه، ولما جاء الأخ الذي هو غني، قال جاره: أنا أنفقت على أخيك، وهذه أرقام الحساب الذي أنفقته، أعطني لأني نويت الرجوع.
يلزم الأخ أن يوفي"أن يعطيه"؛ لأنه ناب عنه ناويًا الرجوع فيلزمه، أما إذا نوى التبرع، قال: هذا ضعيف وليس عنده أحد الآن، وأخوه قد تغيب عنه، أو أخوة حسده وغضب عليه، قطع النفقة عنه، من أين يأكل؟ ومن أين يشرب؟ فرحمه إنسان وتبرع، وأنفق عليه، وصرف عليه ألفًا أو ألفين، فهل له أن يطالب بها؟
ليس له ذلك؛ لأنه متبرع، نوى بالإنفاق عليه الأجر والرحمة به؛ حتى لا يتضرر.
إذا وجبت النفقة على اثنين أو على ثلاثة أو أربعة، فإنها توزع عليهم، إن كانت درجتهم سواء، يدفعونها شهريًا أو سنويًا، مثلًا: إذا كان الوالد فقيرًا، وله أولاد خمسة، كلهم أغنياء، والنفقة التي يحتاجها الوالد شهريًا ألف، نوزعها عليهم: كل واحد عليه مائتان، يدفعونها لأبيهم شهريًا، وإذا قال أحدهم: أنا أشتري بها لهم حاجات. فله ذلك، إذا قال: أنا أشتري لهم بهذه المائتين. يشتري بها لهم قهوة، أو أشتري فاكهة، أو أشتري لحمًا فله ذلك؛ لأنهم ممن يحتاجون إلى ذلك.
فإن كان إرثهم يتفاوت: كابن وبنت، وكلهم أغنياء والأب فقير أو الأم -فإنا نجعل على الابن ثلثي النفقة، وعلى البنت الثلث؛ لأنه هكذا ميراثهم.
وكذا إذا كانوا ورثة متفاوتين، فإذا كان الإنسان فقيرا، وله أختان غنيتان شقيقتان، وله أيضًا أختان من الأم غنيتان، معلوم أن الأختين الشقيقتين يرثان الثلثين، عليهما الثلثان من النفقة، وكذا الأختان من الأم يرثان الثلث، عليهما ثلث النفقة، تقدر النفقة وتدفع: هاتان الثلثين، وهاتان الثلث، فإن كان ...
هذا إن كانت مثلًا هذه الأخت لها أختان شقيقتان، وأخت من الأم وأم، وكلهم أغنياء، قسمنا نفقة هذه الأخت الفقيرة: نجعل على أمها السدس، وأختها من الأم السدس، وأختها الشقيقة الثلث، وأختها الشقيقة الأخرى الثلث، فتكون أثلاثًا: على الأم والأخت لأم الثلث، وعلى كل واحد من الأختين الثلث.
فإذا كان أخت شقيقة ولها شقيقة، ولها أخت من الأب، وأخت من الأم وأم، فإنا نوزعها عليهم، فنقول: الشقيقة ترث النصف، عليها نصف النفقة، والأخت من الأم ترث السدس، عليها سدس النفقة، والأخت من الأم عليها سدس النفقة، والأم عليها سدس النفقة. أي: بقدر ميراثهم. مقدار النفقة:
يقول: وهي على كلٍ بقدر إرثه، وإن كان أب انفرد بها.
(1) - سورة الطلاق آية: 6.