والأشهر أنه يسكت، ورد في ذلك الحديث الذي في الترمذي، وفيه ذكر السكتتين، ثم وقال: إذا قال: {وَلَا الضَّالِّينَ (7) } [1] العادة أنه يسكت حتى يرجع إليه نَفَسه، وحتى يتفكَّر فيما يقرأ بعد الفاتحة، وحتى لا يصل القراءة بالقراءة، لا خلاف أنه يقرأ بعد الفاتحة سورة، في الصبح وفي الأوليين من المغرب ومن الفجر وفي الجمعة ونحوها، ذكروا أنه يقرأ سورة، وهذا هو الذي اشتهر في كثير من المؤلفات، وهو دليل على أن قراءة سورة كاملة أفضل من قراءة بعض سورة، كأول السورة أو وسطها أو آخرها، هكذا ذكروا.
وهو الذي يحدث من النبي - صلى الله عليه وسلم - أحيانا يقرأ سورة في كل ركعة، وأحيانا يقرأ في الركعة سورتين من المفصل، فيقرأ في الركعتين أربع سور في الفجر.
المشهور أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في صلاة الفجر من طوال المفصل، والمغرب من قصاره، والعشاء من أوساطه، وطواله من سورة (ق) إلى سورة (عمَّ) وأوساطه من (عمَّ) إلى سورة (الضحى) ومن (الضحى) إلى آخره قصاره.
ويستحب أن يقرأ في المغرب - أيضا - من طواله، فقد ثبت أنه -عليه الصلاة والسلام- قرأ بها من سورة الأعراف، قسمها في الركعتين، وكذلك في غيرها من الصلوات تجوز الإطالة أحيانا لمناسبة.
والقراءة معلوم أنها ترتل كما أمر الله {وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (4) } [2] وفي حديث عائشة " كان - صلى الله عليه وسلم - يرتل القراءة حتى تكون أطول من أطول منها " ومع ذلك فإنه كان يطيل، فالثابت أنه كان يقرأ في الفجر ما بين ستين آية إلى مائة آية، وإذا كان من السور القصار، فإنه يقرأ بقدرها، يعني من سورة البقرة نحو ثلها، فالبقرة (286) آية يعني إذا قرأ ثلثها صدق عليه أنه قرأ ما فوق الستين ودون المائة، كذلك -مثلا- إذا قرأ سورة الأنبياء، وسورة الحج فهذه السور دون المائة، وسورة الأحزاب آياتها (73) هذه دون المائة، معناه أنه إذا قرأها فلا يستنكر عليه، وكذلك إذا قرأ سورة النمل، أو سورة العنكبوت أو سورة الروم هذه كلها أو بعضها أقل من الخمسين، وبعضها فوق الستين.
وكذلك سور (آل حاميم) فلا يُنْكَر على الإمام الذي يقرأ من هذه السورة، لا سيما وقد ذكر عن الصحابة - رضي الله عنهم -، كان عمر - رضي الله عنه - غالبا يقرأ بالسور الطويلة كسورة النحل، وهي فوق المائة، وسورة يوسف، وثبت أن أبا بكر - رضي الله عنه - صلى بهم بسورة البقرة كلها، ولما انصرف قالوا: " كادت الشمس أن تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين " رواه مالك في الموطأ، وكانوا مع ذلك يتحملون ويألفون الصلاة ويحبونها.
بعد ذلك يركع، إذا انتهى من القراءة سكت قليلا حتى يرجع إليه نفسه ثم ركع، ويرفع يديه -كرفعه الأول- إلى منكبيه، ويكون تكبيره في حالة انحنائه حالة ما يتحرك منحيا يأتي بلفظة: (الله أكبر) يضع يديه على ركبتيه مفرجة الأصابع، لكل ركبة يد، قالوا: لا يسن تفريج الأصابع في الصلاة إلا في الركوع، أما البقية فإنه يسن ضمها، يجعل ظهره مستويا فلا يجعله مقوسا، ولا يجعله محسورا منحنيا، بل يصير وسطا مستويا، حتى يقال: إنه لو وضع عليه قدح لركد، ويجعل رأسه بحياله، فلا يخفض رأسه ولا يرفعه.
الدعاء والتسبيح أن يقول: (سبحان ربي العظيم) ثلاثا، وأدنى الكمال ثلاثا، وإن زاد إلى عشر فله ذلك أعلاه في حق الإمام عشر، لحديث أنس: أنه قال: " لما صلى خلف عمر بن عبد العزيز، وهو أمير المدينة: هذا أشبهكم بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: فحزرنا تسبيحه في الركوع والسجود عشرا عشرا ".
بعد ذلك يرفع من الركوع يرفع يديه -أيضا- إلى حذو منكبيه، ويقول: (سمع الله لمن حمده) يُسْرِعُ فيها، ينطقها بسرعة حتى لا يسبقه المأمومون، المأمومن يبقون راكعين حتى يفرغ من التسميع، لا يتحركون حتى
(1) - سورة الفاتحة آية: 7.
(2) - سورة المزمل آية: 4.