فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 722

من السنن رفع اليدين إلى محاذاة المنكبين، سنة ثابتة بأدلة قوية، متفق عليها عند الأئمة الأربعة، خالف في ذلك الرافضة ونحوهم، فهذه من السنن، ذكر العلة بعض العلماء: أنه إشارة إلى رفع الحجاب، كأنه إذا رفع يديه يرفع الحجاب بينه وبين ربه، يرفعهما حتى يحاذيا منكبيه، وقيل: تكون الكف إذاء المنكب، والأصابع إذاء الأذن، من السنن أن يقبض اليد اليمنى باليسرى، و يكون القبض على الكوع، الكوع هو المفصل الذي بين الكف والذراع، فيقبض الكوع اليسرى بيده اليمنى بكفه اليمنى، أما كونه يجعلهما تحت سرته، فهذا نظرا إلى المشهور عند الفقهاء الحنابلة، رووا في ذلك حديثا عن علي:"من السنة قبض الشمال باليمين تحت السرة"ولكن الحديث ضعيف، ولأنه لم يثبت عند بعض العلماء موضع لهذا المكان.

الترمذي -رحمه الله- مع سعة اطلاعه وكثرة ما يذكر من الأحاديث، أو يشير إليها لم يذكر في الباب شيئا، وكأن الأمر عنده واسع أن يضعهما على الصدر، أو على البطن أو على السرة أو تحتها، ولكن الشارح الذي هو المباركفوري توسع في هذا المكان، ورجح أنه يجعلها على الصدر، وذكر في ذلك حديثين: حديث في مسند أحمد، وحديث في صحيح ابن خزيمة، ولو كانا غريبين، وقال: إنهما أولى، وأصح من حديث علي، وقد صنف في هذه أحد علماء الهند رسالة طبعت قديما، ويمكن أنها جددت بعنوان (شرح الصدور في وضع الأيدي على النحور) حتى أنه استدل بقوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) } [1] .

و إن بعض العلماء وبعض المفسرين قال: إن"صل""وانحر"يعني: اجعل يديك على نحرك، ولكنه قول شاذ، وبكل حال فوضعهما تحت السرة جائز؛ لنص كثير من الفقهاء عليه، والأفضل فوق السرة أو على الصدر، من السنن أن ينظر إلى موضع سجوده في كل صلاته، يعني: أن يقصر نظره على موضع مسجده، أي موضع جبهته لماذا؟ ليجتمع عليه قلبه؛ لأنه إذا نظر يمنة ويسرة تشوش عليه فكره، وقد ورد أيضا النهي عن الالتفات في الصلاة، وورد .. الوعيد على رفع البصر إلى السماء:"لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء أو لتخطفن أو ألا ترجع إليهم".

بعد ذلك يستفتح، واختار الإمام أحمد هذا الاستفتاح: سبحانك اللهم وبحمدك ... إلى آخره، وذلك؛ لأنه ثناء، والثناء على الله يقدم على الدعاء، لا شك أن حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين:"اللهم باعد بيني وبين خطاياي"إلى آخره، أصح إسنادا، أما هذا الحديث فمروي في صحيح مسلم عن عائشة، ومروي أيضا عن عمر أنه كان يجهر به، واختاره الإمام أحمد؛ لأنه ثناء على الله تعالى، والتسبيح هو التقديس والتنزيه، الحمد: بحمدك يعني: متلبسا بحمدك، البركة كثرة الخير، العلو"تعالى جدك"يعني: لك جميع أنواع العلو، الجد يعني: الحظ والنصيب يعني: حظك من التقديس، كلمة التوحيد، لا إله غيرك، كلمة الإخلاص، يجوز أن يستفتح مثلا باللهم باعد بيني وبين خطاياي، ويستفتح بحديث علي الذي في السنن:"وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض"إلخ. وهو طويل، مذكور في سنن أبي داود، وفي غيره.

وكذلك أيضا يجوز أن يستفتح بالحديث الذي به:"اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل عالم الغيب والشهادة"إلخ.

لشيخ الإسلام رسالة مطبوعة في المجلد الحادي والعشرين أو الثاني والعشرين في أنواع الاستفتاحات، يعني: أن أنواع الاستفتاحات كثيرة، وبين أساليبها، وتكلم عليها، وبيّن أصحها، وتكلم أيضا ابن القيم في زاد المعاد عن الاستفتاح، وقال: إن الذين يستفتحون بالاستفتاحات الطويلة لا يكملونها وأن هذا أخصرها، وأجمعها، بعد ذلك يستعيذ، ويبسمل سرا. الاستعاذة أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، والأفضل أن يقول أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، حتى يجمع بين الأمرين، الأمر الذي به في سورة فصلت: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36) } [2] وفي سورة النحل: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) } [3] ويقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، البسملة اختلف فيها هل هي من الفاتحة أو ليست من الفاتحة؟.

فالشافعية يرون أنها من الفاتحة، ولذلك يجهرون بها، المالكية لا يقولونها لا سرا ولا جهرا، الحنابلة يرون أنها ليست من الفاتحة، ولكن أنها آية من القرآن، ولأجل ذلك يقرءونها سرا، ولا يقولون: إنها من الفاتحة، وإنما تكتب أمام كل سورة، يعني: تكتب للتبرك في أول كل سورة.

قراءة الفاتحة ركن؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"والمشهور أنها ركن في حق الإمام والمنفرد، وأما المأموم، فإنها مستحبة في سكتات الإمام، وبما لا يجهر به، وإذا لم يقرأ بها، فإن صلاته تصح، ويحملها عنه الإمام، وفيه أيضا خلاف طويل قد ألف فيها البخاري رسالة، والرسالة مطبوعة بعنوان: (جزء القراءة خلف الإمام) ورجح أنها لازمة للمأموم كما أنها لازمة للإمام والمنفرد، واستدل بعمومات، وناقش من قال: إنها لا تجب على المأموم، قراءتها لا بد أن تكون مرتبة، فلا يقدم آية على آية، لو قال: الحمد لله الرحمن الرحيم، رب العالمين أو قال الحمد لله رب العالمين مالك يوم الدين، الرحمن الرحيم بطلت، لا بد أن تكون مرتبة آياتها، ولا بد أن تكون متوالية، فلا يفرق بينها تفريقا طويلا، يسن أن يقف عند كل آية انتظارا لجواب الله تعالى، إذا قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) } [4] سكت قليلا ينتظر قول الله: حمدني عبدي، وإذا قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) } [5] سكت قليلا ينتظر قوله:"مجدني عبدي"إذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) } [6] سكت ينتظر قول الله:"أثنى علي عبدي"وإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) } [7] سكت ينتظر قول الله:"هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل"هكذا ورد في الحديث، وورد أيضا أنه - صلى الله عليه وسلم - يقف على رءوس الآيات.

استحب أكثر العلماء أن يقف في قرءته على رأس كل آية، وذلك؛ لأنها فصلت عما قبلها، واختلفوا فيما إذا كانت الآية متصلة بما بعدها، ورجح بعضهم كالشيخ أبي القاسم على حاشيته على قول: أنه يقف، ولو كانت متصلة بما بعدها؛ لأن بعض الآيات لا يصح الوقوف عليها عند القراءة المستمرة، ولكن أحيانا يجوز الوقوف عليها لضرورة من نفس أو نحو ذلك يعني: مثل قوله: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) } [8] يقولون: لا يقف عليها إلا لضيق النفس، ومثل قوله -تعالى- في سورة التين: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا} [9] يمنع بعضهم الوقوف على: {أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) } [10]

ومثل قوله تعالى في سورة التين: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا} [11] يمنع بعضهم الوقوف على: {أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) } [12] ويقول: لا بد من الاستئناف، وأما قوله: { (خطأ) (في التخريج) (خطأ) (في التخريج) (خطأ) وَالْعَصْرِإِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍإِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} [13] فيرخص في ذلك، على كل حال، فالوقوف على رءوس الآي هو الأفضل.

ذكروا أن في الفاتحة إحدى عشرة شَدَّة، عدا البسملة، إحدى عشرة تشديدة، كلام الداعية فيها بالتشديد، لأن الشَّدة تعتبر حرفا فلو قال:"مالك يوم دِين"، أو قال: إيَاك، أو قال: اهدنا صراط، فإنها لا تنعقد قط، يعتبر أَخَلَّ بالقراءة، وترك منها حرفا، بعد الفاتحة يُؤَمِّن"آمين"إذا كانت الصلاة جهرية جهر بها الإمام والمأمومون، ومعناها: اللهم استجب وفيها فضل"إذا قال الإمام: {وَلَا الضَّالِّينَ (7) } [14] فقولوا: آمين، فإنه مَنْ وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفِر له ما تقدم من ذنبه"وأما إذا كان في سرية فإنه يُسِرُّ بالتأمين.

يُسَنُّ الجهر في الصلاة الجهرية، ولو لم يجهر صحت صلاته، يعني صلاة الصبح والجمعة والعيد، والركعتان الأوليان من المغرب والعشاء، هذه جهرية، يسن أن يجهر بها، فلو ترك الجهر صحت صلاته، ولو نسي الجهر لم يلزمه سجود سهو.

وكذلك صلاة الكسوف والاستسقاء وصلاة العيد يجهر فيها أيضا بالقراءة بالفاتحة وبالسورة التي بعدها، المأموم يُسِرُّ ولا يَجْهر، وذلك لأنه مأمور بالإنصات، وإذا قرأ -مثلا- في سكتات الإمام فإنه يسر، لأنهم لو قرءوا -مثلا- مائة أو مائات لشوشوا على المصلين، فيسرون بقراءتها، المنفرد يخير بين السر والجهر، فإن كان هناك من يستمع له إذا كان يقرأ ويستفيد من قراءته جهر، في ليل أو نهار تطوع أو فرض، وإن كان هناك من يتأذى بجهره يسر، كنائم أو متحدث أو نحوهما ... نقف عند هذا، ونكمل بعد الصلاة -إن شاء الله- والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه بعد ما يفرغ من قراءة الفاتحة، اختلف في السكتة التي بعدها، من العلماء من ذكر أنه يسكت بعد الفاتحة سكتة ينتظرُ أن المأمومين يقرءون الفاتحة، ومنهم لم يذكر هذه السكتة، ومنهم من أنكرها، ورجح أنه لا يسكت كما ذكر ذلك ابن القيم في (زاد المعاد) ،

(1) - سورة الكوثر آية: 2.

(2) - سورة فصلت آية: 36.

(3) - سورة النحل آية: 98.

(4) - سورة الفاتحة آية: 2.

(5) - سورة الفاتحة آية: 1.

(6) - سورة الفاتحة آية: 4.

(7) - سورة الفاتحة آية: 5.

(8) - سورة التكوير آية: 1 - 2.

(9) - سورة التين آية: 5 - 6.

(10) - سورة التين آية: 5.

(11) - سورة التين آية: 5 - 6.

(12) - سورة التين آية: 5.

(13) - سورة العصر.

(14) - سورة الفاتحة آية: 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت