به حديث أيضا ضعيف، وأنه إنما صح من فعل ابن عمر، وابن عمر فعل ذلك لما كَبُر سِنُّه، كان يقدم يديه قبل ركبتيه لعجزه عن ذلك.
وقد بين ذلك أيضا الشيخ خليل إبراهيم الذي حقق رسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الأحاديث، وطبعت مع مجموعة رسائل الشيخ، فرجح ما رجحه ابن القيم، وبين الأدلة الواضحة على ذلك، وذكرنا ذلك أيضا بتحقيقنا لشرح الزركشي، وبينا الأدلة، وهذا هو الذي يترجح لنا، ومن قرأ كلام ابن القيم بإنصاف عرف موافقته.
فالحاصل أنه ذكر أنه يقدم ركبتيه ثم يديه ثم جبهته ثم أنفه، ويسن كونه على أطراف أصابعه، يعني: سجوده على أطراف رجليه، ويجعل رءوسها إلى القبلة وبطونها إلى الأرض منبسطة، ويجافي عضديه عن جنبيه وبطنه عن فخذيه، يعني: لا يُلْصِق عضده بالجنب، بل يفرج ما استطاع ما لم يضايق الذي إلى جانبه، ويرفع بطنه عن فخذيه، ويرفع فخذيه عن ساقيه، ولا يلصق بطنه بفخذيه؛ لأن هذا كأنه غير ساجد، ويفرِّق بين ركبتيه، وكذلك يفرِّق أيضا بين رجليه، فلا يلصقهما.
هذا هو الصحيح أنه يجعل بينهما -مثلا- نحو فتر، رأينا بعض الشباب يلصقونهما، ويستدلون بقول عائشة:
"وقعت يدي على رجليه أو على قدميه وهما منصوبتان"نقول هذا لا يدل على أنهما ملتصقتان؛ لأنها قد تمس أصابعها قدما، والكف قدما، يعني: أسفل الكف، وقد تكون مسحتهما مسحا، بينهما فاصل، فوقت يديها على الرجل ثم على الرجل مع وجود الفرجة التي بينهما، (تفرقة ركبتيه) .
الدعاء في السجود مندوب، والتسبيح كتسبيح الركوع، سبحان ربي الأعلى ثلاثا أدنى الكمال، وأعلاه عشر، ويسن فيه الإطالة فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، ويسن أن يكثر فيه من الدعاء، لقوله:"فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم".
بعد ذلك يرفع مكبرا، ويجلس مفترشا، الافتراش أن يفرش رجله اليسرى، ويضع عليها إليتيه، وينصب اليمنى، ويضع بطون أصابعها إلى الأرض، يقول: رب اغفر لي ثلاثا، ويزيد أيضا، ويطيل هذا الركن أيضا، فكان أنس إذا جلس بين السجدتين أطال حتى يقول القائل قد نسي، ثم يسجد السجدة الثانية كالأولى.
بعد ذلك ينهض مكبرا معتمدا على ركبتيه بيديه، ما ذكر أنه يجلس بعد الركعة الأولى، وهو ما يسمى بالاستراحة، وذلك لأن جلسة الاستراحة ما رويت مرفوعة صحيحة، إنما رويت من فعل رجل من التابعين، كان شيخا كبيرا في حديث أبي قلابة يقول جاءنا مالك بن الحويرث فقال"إني أصلي بكم وما أريد الصلاة، أصلي كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي فقيل لأبي قلابة: كيف كان يصلي؟ فقال: مثل: صلاة شيخنا هذا، قال وكان ذلك الشيخ إذا رفع من الركعة الأولى لم يقم حتى يستوي جالسا".
ذلك الشيخ يقال له: عامر بن سليمة الجرمي، وليس صحابيا على الصحيح، ولو كان أدرك عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو صغير، وهو الذي قدمه قومه يصلي بهم، وهو صغير كما في صحيح البخاري، ولم تثبت صحبته، جلسته هذه كانت لعجزه، لكبر سنه، كان يجلس بعد الأولى، وبعد الثالثة.
أما مالك بن حويرث فما رويت في فعله صريحة، فقولهم"مثل صلاة شيخنا هذا"يعني: مثلها في الأغلب، لا في كل الحالات ثم أيضا قد رويت من قول مالك بن الحويرث ذكر أنه - صلى الله عليه وسلم - كان"إذا كان في وتر من صلاته لم يقم حتى يستوي جالسا"وهذه الرواية ليست في الصحيح، فيدل على أنها رويت بالمعنى، وأنها كانت من فعل عامر بن سليمة، هذا الذي يتوجه لنا، أنها ما رويت إلا من فعل هذا الرجل.
وأما حديث أبي حميد الساعدي الذي في الصحيح بعضه، فلم تذكر أصلا في صحيح البخاري، وذكرت في سنن الترمذي، ولكن الصحيح أنها غلط من الراوي، وأنها تكرر عليه ذكرها، تكرر عليه الجلوس؛ لأجل ذلك ذكر أن جلسته بين السجدتين وجلسته بين السجدتين على حد سواء، وهذا ليس بصحيح.
الحاصل أن ذكرها بحديث أبي حميد غير ثابت، يعني: أن العبرة بما في حديث أبي حميد عند البخاري، وأما ذكرها في حديث المسيء صلاته فلم تذكر إلا في رواية وقعت خطأ في صحيح البخاري، نبَّه البخاري على أنها خطأ وقعت في كتاب الاستئذان، ذهب إليه الشافعية، وهم الذين بالغوا في استحباب هذه الجلسة، وأنكرها الحنفية، ولما كانوا ينكرونها، ذكر بعض الاعتراضات عليها الطحاوي في شرح معاني الآثار، ابن حجر لمَّا كان