شافعيا تكلف في إجابته على تلك الإيرادات التي أوردها الطحاوي، في فتح الباري، ولكل اجتهاده، وما روي أن الإمام أحمد رجع إليها، فلعله رجع إليها بالفعل لما أسنَّ أي لما كبر سنه في السبعين كان مما يشق عليه أن يقوم بسرعة معتمدا على ركبتيه، أو معتمدا على صدور قدميه، فكان يجلس ثم يعتمد ويقوم، وقد تكلمنا أيضا في تعليقنا على شرح الزركشي.
فالحاصل أنه ذكر أنه ينهض مكبِّرا معتمدا على ركبتيه بيديه، فإن شقَّ فبالأرض، يعني: إذا شق عليه القيام فله أن يعتمد على الأرض، لكبر أو مرض، الركعة الثانية يأتي بها كالأولى إلا أنه لا يأتي بالتحريمة، ولا بالاستفتاح ولا بالتعوذ، ولا بتجديد النية إلا إذا لم يتعوذ في الركعة الأولى، ثم بعد الركعتين يجلس مفترشا يعني: يبطش رجله اليسرى كجلسته بين السجدتين ويجلس عليها.
يُسَنُّ أن يضع يديه على فخذيه، يعقد من اليمنى الخنصر والبنصر، ويحلق بإبهامه وسبابته يجعلهما كالحلقة، ويشير بالسبابة، يعني: يجعل الإبهام والوسطى حلقة والسبابة يشير بها، الإشارة يشير بها عند التشهد، إشارة إلى الوحدانية وعند الدعاء وعند ذكر الله مطلقا وقيل إنه يشير بها كلما أتى بذكر الله، أو عند الدعاء، إذا قال السلام عليك، السلام علينا، أو عند الشهادة أشهد أوعند الدعاء مطلقا بعد آخر صلاة يدعو بها، أما تحريكها دائما، فليس بسنة، إنما يشير بها أحيانا.
بعد ذلك اليسرى يبسطها على ركبته، بعد ذلك يتشهد بذلك التشهد، واختار الإمام أحمد هذا التشهد لأنه مروي عن ابن مسعود بأسانيد صحيحة، ولم ينقل عنه اختلاف فيه، بعد ما يتشهد إذا كان في ثلاثية كالمغرب أو رباعية كالعشاء أو كالظهرين نهض مكبرا بعد قوله: وأن محمد عبده ورسوله، وصلى ما بقي سرا يقتصر على الفاتحة ولا يجهر بعدما يأتي بالباقي يجلس متورِّكا إذا تيسر كالإمام والمنفرد.
وأما المأموم فإذا شق عليه لأنه قد لا يجد متَّسعا، فله أن يجلس مفترشا؛ لأنه قد يكلفه إخراج رجليه إلى جانبه بجانب من بجنبه، وكذا الثاني والثالث فيحصل مضايقة، يجلس متوركا يأتي بالتشهد المذكور، ثم بعد ذلك يأتي بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر في هذا إلا الصلاة على إبراهيم، في بعض الروايات أنه يجمع بين إبراهيم وآله أنكر بعض العلماء وقالوا: لم يرد الجمع، بل إنه يقول: كما صليت على إبراهيم، أو كما صليت على آل إبراهيم، الأكثر كما صليت على آل إبراهيم، والإشارة إلى ذكر ذلك في سورة هود بقوله: {رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73) } [1] بعد ذلك يُسَنُّ أن يتعوذ ورد فيه أيضا حديث أن يتعوذ من عذاب جهنم،"إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال"وروي أيضا أنه كان يستعيذ من المأثم والمغرم، فقيل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يعني: الدَّيْنَ فقال:"إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف".
ولا يدعو بدعاء يخص الدنيا، بل يكون الدعاء للآخرة فلا يدعو بدعاء خاص كربح تجارة -مثلا- أو مال كثير أو أمتعة أو ما أشبه ذلك، يدعو بدعاء عام أن يقول اللهم ارزقني، واغنني بحلالك عن حرامك وهيئ لي من أمري رشدا، بعد ذلك يسلم،"السلام عليكم ورحمة الله"عن يمينه، وكذلك عن يساره مرتبا معرفا السلام لا يقل: سلام، زيادة وبركاته رويت في سنن أبي داود والظاهر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان يقولها إلا قليلا، ذكر ابن القيم في كتاب الصلاة أن الذين رووا:"ورحمة الله"خمسة عشر صحابيًّا.
المرأة صلاتها كالرجل ذكر أنها تجمع نَفْسَها يعني: أنها تضم نفسها ولا تتفرج ولا تتجافى، لا تجافي العضد عن الجنب، وذكروا أنها تجلس متربعة، أو مسدلة رجليها، والأولى أنها تسدل رجليها بجانب يمينها، ويجوز أن تفترش، وهو أيضا معتاد.
مكروهات الصلاة
(1) - سورة هود آية: 73.