وأما إذا كان لا يُوطأ مثلها لصغرها أو لكبره هو ولعبالة ذكره، ففي هذه الحال هو تزوجها وزفها أهلها إليه فوطئها لكونها يوطأ مثلها، أو أنها لصغرها لا تتحمل، فإذا حصل هذا الفتح ففيها جائفة.
الجائفة: الطعنة التي تصل إلى الجوف أيا كان، إذا طعنه مثلا مع بطنه طعنة وصلت إلى أمعائه، فهذه جائفة، وديتها ثلث الدية، أي: ثلاث وثلاثون وثلث من الإبل، أو نحوها، تعتبر هذه جائفة.
ثم إذا فتقها ولم يستمسك البول، صار البول لا يستمسك، فإن فيها الدية، وكذلك أيضا الرجل. لو أن إنسانا ضرب رجلا مع أسفل بطنه أي: فوق المثانة فانفجرت المثانة وصار البول لا يستمسك، صار بوله دائما لا يستطيع إمساكه، فهذا الذي اعتدى عليه عليه دية كاملة؛ لأنها منفعة عظيمة أفقده.
وكذلك لو ضربه في أسفل ظهره فلم يستمسك الغائط، بقي لا يقدر على أن يمسك الغائط، فعليه أيضا دية كاملة؛ وذلك لعظم هذه المنفعة التي فوتها، وهذا إذا عرف بأنه لا يمكن علاجه وأنه يبقى هكذا بقية حياته.
يقول بعد ذلك:"وفي كل من شعر رأس وحاجبين وأهداب عينين ولحية الدية كاملة"هذه الشعور أنبتها الله تعالى زينة، فإذا أذهبها فعليه الدية كاملة، أسهلها شعر الحاجبين، لو أن إنسانا سلخ الحاجب يعني سلخه بموس يعني قطع الحاجب ومنابته، وبقي مكانه ليس فيه شعر فقد أذهب هذه المنفعة. الحاجب أولا: أنه جمال، وثانيا: أن فيه حماية للعين مما يتساقط من الغبار أو من الشعر حتى لا تتأذى به العينان، فإذا أزال هذا الشعر ولم يعد فعليه الدية كاملة.
وكذلك أهداب العينين، لو أنه سلخ رأس الحاجب ولم يعد ينبت الهدب فعليه الدية كاملة، في كل جفن إذا سلخ هدبة ربع الدية، وفي عين واحدة إذا سلخ الجفنين ولم يعد ينبت نصف الدية، وفي العين الأخرى أيضا الدية.
فالحاصل أن هذه الأهداب منفعتها عظيمة ولهذا توجد حتى في الحيوان، يعني بهيمة الأنعام، جعل الله تعالى فيها مشافر العينين، جعل فيها هذه الأهداب حماية للعين عما يسقط فيها؛ لأن العين جوهر لطيف تحتاج إلى حماية وإلى حفظ، جعل الله هذين الحاجبين تحفظ العينين عن الأتربة وعن الغبار ونحو ذلك، ولو سلخت أو أزيل هذا الشعر لنقصت ولصارت عرضة لما يقع فيها من شعر وغبار وتراب وما أشبه ذلك.
كذلك شعر اللحية، اللحية زينة للرجل خص الله تعالى بها الرجل وميزه بها عن المرأة، فهذه اللحية زينة وجمال فلو أن إنسانا سلخ جلدته أو كواها حتى لا تنبت ولم تعد فعليه الدية كاملة، إذا أذهب جمالها وأذهب زينتها فعليه الدية حتى ولو كانت خفيفة، لو لم ينبت إلا شعرات في أسفل الذقن وسلخها وأزال مكانه ولم تعد تنبت فعليه الدية، وإذا أذهب بعضها فعليه بالنسبة.
اللحية اسم للشعر النابت على اللحيين وعلى الذقن، اللحيان هما منبت الأسنان السفلى، فلو -مثلا- أنه سلخ الخد الأيمن أو كواه وتعطل نباته لا شك أنه يكون قد شوه المنظر، فعليه ثلث الدية، وإذا سلخ الاثنين فعليه ثلثا الدية، وإذا سلخ الذقن -يعني سلخ اللحية جميعا أو كواها- فعليه الدية كاملة.
وبذلك يعرف فضل الإسلام؛ حيث إن الإسلام حافظ على منافع الإنسان، وعلى أخلاقه وخلقته وكمالها وجعل في كل منها دية حتى لا يتعدى أحد على أحد، مع أننا في هذه الأزمنة ابتلينا بمن يعادي اللحية ويستهين بأمرها ويزيلها ويواظب دائما على إزالتها، فلو علم أنها شرف وأنها زينة وجمال، وأن الشرع جعل فيها الدية كاملة لعرف قدرها.
كذلك شعر الرأس هو أيضا جمال، أنبته الله تعالى زينة؛ ولأنه قد يقي من حر الشمس أو نحوه، فإذا سلخ الرأس أو كواه ولم يعد ينبت فإن فيه الدية، فهذه أربعة شعور: شعر الرأس، وشعر الحاجبين، وشعر الأهداب، وشعر اللحية، كل واحد منها فيه الدية كاملة، وفي بعضها النسبة، ففي حاجب واحد نصف الدية، وفي هدب جفن واحد ربع الدية.
وكذلك في الرأس، إذا سلخ أو كوى نصف الرأس فنصف الدية، فإن كوى ثلثه فثلث الدية وهكذا.
أما الشارب فلم يجعلوا فيه دية وإنما جعلوا فيه حكومة؛ وذلك لأنه مأمور بقصه، ومأمور بحفه، فلذلك جعلوا فيه حكومة.
الحكومة: أن يقدر كأنه فيه الشارب كم قيمته؟ لو كان مملوكا، وكم قيمته إذا سُلخ شاربه ولم يعد ينبت، فينظر الفرق، فتكون فيه تلك النسبة، ومع هذا سقط ما فيه، لو أنه مثلا كوى الحاجبين ودفعت الدية وبعد ذلك عولج الحاجب وأنبت سقط ما فيه، وإنما يكون عليه عقوبة تلك الجناية التي هي كيه أو سلخه أو ما أشبه ذلك.