يقول: هذه دية الأربع، وكذلك يقول: تجب كاملة في كل حاسة، أي كما أنها تجب في الأطراف فإنها أيضا تجب في المنافع؛ وذلك لأن منفعتها عظيمة، فإذا أذهب حاسة من الحواس فعليه الدية كاملة.
وقد يُذهَب منه حاستان أو أكثر فتتعدد الدية، ذكر أن رجلا في عهد عمر - رضي الله عنه - ضرب رجلا ضربا شديدا ذهب سمعه وبصره وعقله ونكاحه، يعني بقيت العينان لا يبصر بهما، والرأس أيضا لا يسمع ولو كانت الأذنان موجودتين، ولو كانت العينان مفتوحتين وذهب عقله لم يعقل، وذهب نكاحه، لم يعد يستطيع أن ينكح، فقضى له عمر بأربع ديات.
لما حدث بذلك الحسن البصري قال بعض الحاضرين: ما أسعده وأكثر ما أخذ! فقال الحسن -رحمه الله-: لا والله، بل ما أشقاه وما أتعسه! ماذا يستفيد من حياته؟ لا سمع ولا بصر ولا عقل ولا نكاح، ماذا يستفيد من هذه الحياة؟ حياته بؤس عليه، لو مات لكان أريح له.
فعرف من ذلك أن هذه المنافع منافع كاملة، ففي كل واحدة الدية كاملة، ولو كانت الآلة باقية، يعني قد يذهب ماء العين وتبقى العين مفتوحة ولا يبصر، إذا ضربه ضربا شديدا في رأسه فذهب ماء عينيه فأصبح لا يبصر فعليه الدية، وهكذا لو ضربه في رأسه ضربا أذهب سمعه بأن أصم أذنيه أو تشققت الطبلات في داخل الأذن والأصمخة، فإنه يكون عليه الدية.
وهكذا حاسة الشم الذي هو إدراك الروائح، هذه أيضا منفعتها عظيمة، فإذا ضربه ففقد حاسة الشم فعليه الدية؛ وذلك لأن فيها منفعة، يعرف الرائحة الطيبة والرائحة المنتنة، فيتجنب ما يضره، فإذا فقدها تضرر.
وهكذا منفعة الكلام لو أنه ضربه فتعطل الكلام، اللسان باق والشفتان باقيتان، ولكن لا يستطيع أن يتكلم ولا يستطيع أن ينطق ولو بحرف، فهذه أيضا منفعة كبيرة، منفعة الكلام، ففيه أيضا الدية.
وكذلك منفعة النكاح إذا فقدها فيكون أيضا عليه الدية، وما ذاك إلا أنه أذهب عنه منفعة مقصودة في هذه الحياة.
ذكروا أيضا أنه لو أتلف منفعة الطعم -الذوق- فإنها أيضا منفعة كبيرة، بحيث تعطل فمه فلا يميز بين الحلو والحامض والمر والأطعمة كلها ... لا يميز ولا يعرف أي طعم هذا، فهذه أيضا منفعة عظيمة.
فالحواس ذكروا أنها خمس: حاسة السمع، وحاسة البصر، وحاسة الشم، وحاسة الذوق، وحاسة اللمس، وهي التي يقولون: إنها تدرك بها الحقائق؛ أن الإنسان يدرك الموجودات بهذه الحواس الخمس، فإذا ذهبت واحدة منها فإنه يكون عليه فيها الدية.
حاسة اللمس: إذا مثلا أن يديه بقيت لا يحس بها بشيئا، إذا وضع يده على شيء لا يدري هل هو بارد أو حار؟ ولا يدري هل مس ترابا أو حجرا أو زجاجا أو لحما أو نحو ذلك؟ هذه أيضا حاسة مقصودة.
وكذلك أيضا يلحق بذلك ما لو تغير مظهر الإنسان، إذا كان الإنسان مثلا وجهه أبيض أو أحمر انقلب أسود من آثار هذا الضرب، فهذا التغير أيضا يعتبر أفقده لونه، فيكون عليه دية، على هذا الذي أذهب هذا اللون، غير لون بشرته.
بيَّن ذلك، يقول هنا:"وكذا كلام"يعني إذا لم يقدر على الكلام"وعقل"إذا فقد العقل"ومنفعة أكل"يعني تعطل الأكل، بحيث إنه مثلا صار لا يأكل إلا بمغذي، أو يُدخل الأكل مع بطنه، خرق مع بطنه ليدخل، يعني تعطل الأكل.
"ومنفعة مشي"إذا ضر به فأقعد وتعوّق صار معوّقا، بحيث إنه لا يمشي على رجليه، ولو كانت الرجلان موجودتين.
"ونكاح"بحيث إنه لا يستطيع أن يجامِع، بطلت منفعة النكاح، فهذه كل واحدة منها يعتبر فيها دية.
يقول:"ومن وطئ زوجة يوطأ مثلها لمثله، فخرق ما بين مخرج بول ومني، أو ما بين السبيلين فهدر وإلا فجائفة"إذا تزوج بنتا مثلا ومثلها يوطأ، يعني قد بلغت مبلغ النساء وقاربت، ولكنه لعبالة ذكره فتق ما بين مخرج البول والمني، أو مخرج البول والحيض فهذا هدر؛ لأنه مباح له؛ لأنه ما تزوجها إلا ليطأها، البول يخرج من المرأة من ثقبة في أعلى الفرج شبيهة بالإحليل الذي يخرج منه البول للرجل.
وأما الحيض فإنه يخرج من فتحة الفرج التي هي مسلك الذكر، فإذا فتق ما بين مخرج الحيض ومخرج ماء البول فهذا أيضا هدر.
وكذلك لو فتق ما بين السبيلين، ما بين الفرج والدبر هدر أيضا، إذا كانت يوطأ مثلها لمثله.