وكذلك المخالف في الدِّين، إذا كان مخالفا لدين الجاني فلا يدفع، إذا كان مثلا هذا متنصرا أقاربه أو نصفهم نصارى فلا يكلفون أن يدفعوا؛ لأنهم لا يتوارثون فكذلك لا يعقلون.
وهكذا بالعكس لو كان الجاني نصرانيا وعاقلته مسلمون فلا يدفعون، لا يدفعون له؛ لأنهم لا يتوارثون، وأما إذا كانت في النحلة كأن يكون هذا من أهل السنة وهذا من الرافضة فهل يدفعون عنه؟
إذا تشيع صار رافضيا ثم جنى -صار عليه حادث حَمَلَ دية أو ديتين أو ديات- ففي هذه الحال، الصحيح أنهم لا يحملون عنه؛ وذلك لأنهم ليسوا على دينه؛ ولأن مذهب أهل السنة مباعد ومباين لمذهب الرافضة.
يقول بعد ذلك:"ولا تحمل"العاقلة"عمدا"إذا كان القتل عمدا ما يستحق أنه يخفف عنه، بل يتحملها هو في ماله ولو أن يسجن.
الواقع في هذه الأزمنة أنه يتحمل كثيرا، ومع ذلك فإن أقاربه يدفعون عنه، يقولون: إننا نشتري ولدنا حتى لا يقتل قصاصا، فإذا وجب القصاص عليه قال أولياؤه لأولياء القتيل: نحن نشتريه بمليون فيمتنعوا، فيقولون: بمليونين ربما وصلوا إلى خمس أو ستة ملايين، فهل يستحقون أن يساعدوه؟
نرى أنهم لا يستحقون؛ لأن هذا متهور؛ ولأنه متعمد؛ ولأنه ربما يعود فيقتل آخر وثالثا ورابعا بحجة أني أنتقم لنفسي من هذا الذي يعيبني أو يسخر بي والدية ولو كانت كثيرة يحملها المسلمون عني، لا يستحق أن يساعده، لكن قبيلته يقولون: هذا ابننا وليس له إلا نحن فيدفعون هذه الدية الطائلة عدة ملايين.
لا تدفع العاقلة عمدا ولا تدفع عبدا؛ لأن العبد متقوم، العبد مثل السلعة فإذا قتلت إنسانا، إذا قتلت مملوكا عبدا فليس هناك قصاص ولكن عليك قيمته، يقدر كم يساوي؟ فتدفع القيمة، يدفعها الجاني ولا تساعده القبيلة، لا تدفعها العاقلة، ولا تدفع صلحا، لو أن إنسانا مثلا قال لقبيلته: إني قتلت من هؤلاء قتيلا، وقد اصطلحت معه على مائة ألف أو خمس مائة ألف ادفعوها يا عاقلتي، فإنهم يقولون: لا ندفعها، ما ندفع إلا القضية التي يحكم فيها القاضي، فأما إذا كنتم اصطلحتم فقد تكون حيلة.
قد يقول: إنه يكون قتله خطأ، ثم يقول لأوليائه: أنا أقول: إنه عمد حتى أصطلح مع قبيلتي أو أقول: إنه خطأ وأن علي الدية كلها، ولكن أصطلح معكم على ثلث الدية أو ثلثيها أو ثلاثة أرباعها صلحا ليس حكما شرعيا.
ففي هذه الحال العاقلة لا تحمل الصلح؛ لأنه قد يكون حيلة يقول: أحتال حتى آخذ من أسرتي وقبيلتي، وكذلك لا تدفع اعترافه، لو جاء إلى قبيلته واعترف وقال: أنا قلت رجلا خطأ. هل هناك أحد يشهد عليك؟ هل هناك أحد طالبك؟
تعترف ... تقول: إنك قتلته، قد تكون هذه حيلة فلا تدفعها، ولا تدفع ما دون ثلث الدية، يعني: ربع الدية، لا تدفعه ولا تقومه، بل يحمله نفس الجاني.
كفارة القتل الخطأ وشبه العمد
يقول بعد ذلك:"ومن قتل نفسا محرمة غير عمد -يعني خطأ أو شبه عمد- أو شارك في قتله خطأ أو شبه عمد فعليه الكفارة وهي ككفارة ظهار إلا أنها لا إطعام فيها"قال الله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [1] إلى قوله: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [2] .
هذه كفارة القتل الخطأ، يقول: إلا أنه لا إطعام فيها؛ وذلك لأن الله ما ذكر في آية النساء إلا العتق، {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ} [3] ولم يقل: فمن لم يستطع الإطعام، ما ذكر الإطعام، فيقال للقاتل خطأ: عليك الكفارة توبة
(1) - سورة النساء آية: 92.
(2) - سورة النساء آية: 92.
(3) - سورة البقرة آية: 196.