من الله، ولا تبرأ ذمته إلا بهذه الكفارة، فإذا قال: أنا لا أستطيع الصيام، أنا كبير، أنا مريض، أنا مشغول، أنا عامل، نقول: يبقى الصيام في ذمتك، لك أن تسترخص مثلا أو لك أن تتحرى أيام الشتاء الخفيفة وتصوم فيها شهرين متتابعين إذا لم تقدر على العتق أو لم يوجد العتق -كما في هذه الأزمنة.
أما العبد المملوك فإنه يكفِّر بالصيام؛ لأنه ليس له مال، يصوم شهرين متتابعين. تعريف القسامة وشروطها
بعد ذلك ذكر القسامة، القسامة عرفها بقوله:"أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم".
هذه القسامة التي يحلفون فيها خمسين يمينا لها شروط:
أولا: أن يوجد قتيل مسلم أو ذمي.
الثاني: أن لا يعرف قاتله.
الثالث: أن يتهم به قبيلة أو يتهم به أهل قرية.
الرابع: أن يكون هناك قرائن تدل على التهمة كعداوات فيما بينهم ومشاحنات وخصومات فيما بينهم، فتقوى التهمة أنهم الذين قتلوا هذا القتيل وليس هناك بينة.
فإذا تمت هذه الشروط الأربعة،"وإذا أتمّت شروطها بُدئ بأيمان ذكور عصبته الوارثين، فيحلفون خمسين يمينا، كل بقدر إرثه، ويجبر الكسر، فإن نكلوا أو كان الكل نساء حلفها مدعَى عليه وبَرئ".
عرفنا هذه الشروط، يعني الشرط الأول: أن يحصل القتل الذي هو إراقة الدم.
الشرط الثاني: أن يكون مسلما أو ذميا، يعني معصوما ليس حربيا ونحوه.
الشرط الثالث: أن يكون لا يعلم قاتله. الشرط الرابع: أن تقوى التهمة التي بينه وبين أهل هؤلاء المتهمين.
تذكرون قصة عبد الله بن سهل الأنصاري الذي قُتل في خيبر، لما جاء محيصة ووجده يتشحط في دمه فقال: أنتم قتلتموه أيها اليهود، فقالوا: ما قتلناه، فجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - محيصة وحويصة ابنا مسعود، وعبد الرحمن بن سهل أخو عبد الله بن سهل الذي هو القتيل فذكروا له القتيل فقال - صلى الله عليه وسلم - تحلفون خمسين يمينا على رجل منهم فيدفع في ذمته، فقالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف؟ فقال: تبرئكم يهود خمسين يمينا، فقالوا: قوم كفار لا نقبل أيمانهم، فلم يجد بدا أن دفع ديته من بيت المال.
وذكرت لكم بالأمس قصة القرشي الذي استأجره راعي من بعض الأعراب، ولما فقد عقال واحد منهم إبله قتله، رماه بفرسن بعير فأصابه، فتردى ومات، وقبل أن يموت مر عليه رجل فأوصاه بأن يخبر أبا طالب، فأخبر أبا طالب أن فلانا قتله، كفيله الذي استأجره فأحضَروا ذلك الكفيل وقالوا: أنت قتلته، إما أن تعطينا مائة من الإبل وإما أن يحلف منكم خمسون، فحلف منهم ثمانية وأربعون.
يقول ابن عباس: فما دارت السنة وفيهم عين تطرف؛ ولذلك يقول: إن اليمين الكاذبة تدع الديار بلا قع، يعني إذا تجرءوا وحلفوا وهم كاذبون لم يؤمن أن يسلط الله عليهم فيموتوا.
فالحاصل أنه إذا اتهم قبيلة بأنهم قتلوا هذا الإنسان، وقامت القرائن، وعرف أن بينهم تهمة وأن بينهم عداوات وشحناء وبغضاء، وأن التهمة تقوي أنهم هم الذين قتلوه، فيجوز والحال هذه أن يحلف الوارثون، فيقولون: نحلف أن هؤلاء قتلوه، أو أن هذا وحده قتله، فإذا حلفوا قتل الذي حلفوا عليه.
يقول:"الوارثون: هم العصبة الذكور تقسم اليمين -الخمسين يمينا- عليهم"فإن كانوا اثنين حلف هذا خمسة وعشرين يمينا وهذا خمسة وعشرين يمينا، فإن كانوا ثلاثة حلف كل واحد منهم أربعة وثلاثين يمينا، حتى ينجبر الكسر؛ لأنه لو حلف هذا ثلاثة وثلاثين يمينا وهذا ثلاثة وثلاثين بقيت يمين، فيجبر الكسر.
إذا كانوا مثلا خمسة حلف كل واحد عشرين يمينا، إن كانوا عشرة حلف كل واحد عشرة أيمان حتى تتم خمسين يمينا، إذا كانوا عشرة كل واحد خمسة أيمان، إذا كانوا خمسة كل عشرة أيمان توزع عليهم، فإذا حلفوا على شخص معين أن هذا عين القاتل ثبت عليه القتل فيقتل إلا أن يطلبوا الدية أو إلا أن يعف الأولياء.
يقول: الحالف: هم الذكور، لا يحلف الإناث وهم العصبة، لا يحلف أولو الأرحام كالإخوة مثلا أو الزوج ونحوهم، ولا بد أن يكونوا وارثين كأولاد الميت أو إخوته الذين يرثونه أو أبيه وإخوته إذا كانوا يشتركون في الميراث، أو أبوه وأولاده، يعني الذين يرثون كل بقدر إرثه، الذي يرث النصف يحلف نصف الخمسين، والذي يرث الثلث يحلف قدره.