فهرس الكتاب

الصفحة 686 من 722

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين -نبينا محمد- وعلى آله وصحبه أجمعين.

بقي من كتاب الحدود باب"حكم المرتد"، الذي في الفصل الأول. أما الفصل الثاني، فيتعلق بالأطعمة، ما يباح منها وما لا يباح. والفصل الثالث، يتعلق بالذكاة، كيفية ذكاة الحيوان الذي يذكى، وشروطه.

نقول: المرتد: هو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، إذا كفر طوعا واختيارا، بشرط أن يكون مميزا، وأن يكون سليما عاقلا. فإذا أُكره على الردة فإنه لا يحكم بردته، قال الله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [1] ذُكر أن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - عذبه الكفار عذابا شديدا، وحملوه وقالوا: لا نخلي سبيلك إلا إذا كفرت بمحمد، وسببت دينه. فاضطر إلى أن يسبه، حتى يتخلص من شرهم وأذاهم.

فجاء -بعد ما خلوا سبيله- باكيا إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فعذره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونزلت هذه الآية {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ} [2] فعذر الله تعالى المكرَه، ورفع عنه الإثم، ثم قال بعد ذلك: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ} [3] يعني: إذا تكلم بالكفر طوعا واختيارا، فعليه الغضب الشديد من الله تعالى.

أما إذا كان مجنونا، فإنه مرفوع عنه القلم، فلو تكلم بالكفر فلا يؤاخذ. وكذلك إذا كان طفلا لا يميز، كابن أربع أو خمس، أو نحو ذلك، لو تكلم بكلمة كفر فإنه لا يعاقب؛ لعدم تكليفه، فيكون بهذا الكلام مرتدا، قال الله تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} [4] يعني: إذا ارتد طائعا مختارا، ومات على كفره، حبط عمله.

وذكر الله أن الشرك يحبط العمل، في قوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [5] وفي قول الله تعالى، في سورة الأنعام: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) } [6] فالشرك والكفر والردة تحبط الأعمال، وتوجب لصاحبها الخلود في النار. وقد ورد حد المرتد في الحديث قول النبي- صلى الله عليه وسلم-:"من بدل دينه فاقتلوه"وحده القتل.

ذكر أن عليا بن أبي طالب - رضي الله عنه - ظهر في زمانه أناس، وغلو فيه، وقالوا له: أنت الرب، أنت الإله، ولما خرج سجدوا له. فاستتابهم فأصروا، ثم إنه حفر آخاديد، وألقاهم فيها وأحرقهم. ولما ذُكر ذلك لابن عباس قال: لو كنت أنا لم

(1) - سورة النحل آية: 106.

(2) - سورة النحل آية: 106.

(3) - سورة النحل آية: 106.

(4) - سورة البقرة آية: 217.

(5) - سورة الزمر آية: 65.

(6) - سورة الأنعام آية: 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت