أما إذا كان قاصدا، عازما على اليمين، فإنه يكفّر، لو جزم قال -مثلا-: والله لا أركب مع فلان، وهو عازم، فركب، عليه اليمين، والله لا أكلم هذا الرجل، وجبت عليه الكفارة إذا كلمه، والله لا أدخل هذا البيت، ثم دخله كَفَّر، والله لا آكل من هذا الطعام وجبت عليه إن أكل.
أو كذلك النفي، إذا قال -مثلا- أو الإثبات-: والله لأضربن فلانا، والله لأسافرن هذا اليوم، وأشباه ذلك، فعليه الكفارة. هكذا هذا الشرط الأول.
الشرط الثاني: كون اليمين على مستقبل.
على مستقبل: يعني على فعل مستقبل، إذا قال مثلا: والله لا أدخل هذا البيت، ولا ألبس هذا الثوب، ولا أشتري هذا الطعام. ثم فعل، فإنه يكفّر؛ لأن هذه أمور مستقبلة.
أو يقول: والله لأسافرن اليوم، أو أسافر -مثلا- غدا، أو بعد الغد. في هذه الحال -أيضا- لا كفارة عليه، عليه كفارة إذا حنث، لا كفارة حتى يحنث.
"فلا تنعقد على ماضٍ كاذبا عالما به"، وهي اليمين الغموس، اليمين الكاذبة الفاجرة التي على ماضٍ، جاء في الحديث:"من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم"-يعني: ليأخذ بها ما لا يحل له-"لقي الله وهو عليه غضبان""قيل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: وإن كان قضيبا من أراك"يعني: عود سواك حلف عليه. هذه اليمين الغموس.
ومثلها -أيضا- إذا حلف كاذبا، وهو يعلم كذب نفسه، فإذا حلف أنه ما قتل فلانا، وهو الذي قتله، أو حلف ما أخذ ماله، وهو يعلم أنه قد أخذه، أو حلف ما دخل بيته، أو حلف ما ركب سيارته، أو ما أخذها، أو ما رآها، وهو كاذب في ذلك، فهذه هي اليمين الغموس، لماذا سميت؟.
لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ثم في النار، في هذا الحديث:"لقي الله وهو عليه غضبان".
لو حلف ظانا صدق نفسه، فتبين بخلافه، فلا كفارة. إذا حلف -مثلا- أن هذا كتابي، يظن صدق نفسه؛ لأنه شبيه له، حلف -مثلا- أن هذا أخي، يظن أنه أخوه، وكان شبيها به، حلف أن هذا متاعي، أو أن هذا كيس فلان، يعتقد أنه كيسه، أو أنه كتابه، فتبين بخلافه، فإنه -والحال هذه- لا كفارة عليه؛ لأنه معتقد صدق نفسه.
كذلك إذا حلف على فعل مستحيل، فلا كفارة عليه؛ لأنه يعرف كذب نفسه، إذا حلف ليشربن ماء هذا الكوز، وليس فيه ماء، ففي هذه الحال لا يحنث؛ لأنه يعلم أنه مستحيل.
وذكروا من المستحيل الأشياء التي يستحيل قدرة الإنسان عليها، فلو حلف -مثلا- أن يقلب هذا الإناء ذهبا، أو يقلب هذا الماء لبنا، هل يقدر؟ هذا مستحيل. فيكون -أيضا- عليه الكفارة؛ لأنه يعلم أنه لا يقدر.
الشرط الثالث: كون الحالف مختارا.
أن يحلف باختياره، يُخرِج المُكْرَه، هناك من يكره على الحلف، كأن يكرهه إنسان ويقول: أنت الذي -مثلا- أنت الذي أخذت هذا المال، وسوف أقتلك, فينكر خوفا من القتل، فيقول: إن لم تحلف قتلتك. فيحلف حتى يتخلص من القتل ظلما، أنت الذي شربت هذا الماء، وهو ما شربه، أو شربه ولكن يخشى أنهم يعذبونه، فيحلف والحال هذه.
وهكذا -مثلا- كل ما فيه إكراه فإنه لا تنعقد يمينه؛ لقول الله -تعالى-: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [1] ولذلك ذكر أن المكره أنه لا إثم عليه، لو أُكره على شرب الخمر فلا يُحَدّ، أو أُكرهت المرأة على الزنا فلا حد عليها، أو أُكره -مثلا- على بيع ماله، أو -مثلا- بذله فلا يباع، ولا ينعقد البيع، لعدم اختياره.
وكذا لو أُكره على دخول دار، وكان قد حلف أنه لا يدخلها، حلف أنه لا يدخل في هذه الدار، فمسكه قوم وأوثقوه وغلوه، ودخلوا به، فإنه لا يحنث.
أو -مثلا- حلف أنه لا يأكل من هذا الطعام، ثم أكرهوه وقالوا: إن لم تأكل ضربناك أو قتلناك. فأكل لأجل التخلص.
ففي هذه الحال كونه لم يحنث مختارا، حنث وكان مكرها.
(1) - سورة النحل آية: 106.