الشرط الرابع: الحِنْثُ.
الحِنْث: هو أن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله، حلف أنه لا يأكل من هذا الطعام، وأكل، أليس قد حنث؟
وكذلك حلف ألا يلبس هذا الثوب، ولبسه، حلف ألا يركب هذه السيارة، وركبها، حلف ألا يكلم فلانا، وكلمه، هذا هو الحنث، فعل ما حلف أنه لا يفعله، وكذلك لو حلف على الترك، ولكن ما ترك، حلف أنه ما يسافر هذا اليوم، وسافر مثلا، أو حلف أنه لا يصلي في هذا المسجد شهرا، وصلى فيه، ففي هذه الحال يحكم بحنثه، إلا إذا كان مكرها كما ذكرنا.
إذا فعل ذلك مُكرها، إذا -مثلا- حلف على ألا يلبس هذا الثوب، وأُكْرِه حتى لبسه وهُدِّد, وكذلك إذا حلف -مثلا- ألا يأكل من الطعام، ثم أُكره وهُدِّد حتى أكل منه، فإنه لا يحنث.
وكذلك إذا كان جاهلا، حلف -مثلا- على ألا يلبس هذا الثوب، ولبس ثوبا يعتقد أنه غيره، وتبين أنه هو، ففي هذه الحال لا يحنث؛ لأنه ما تعمد.
وهكذا -أيضا- لو نسي يمينه، حلف -مثلا- أنه لا يكلم فلانا، ثم نسي وكلَّمه، فلا حنث عليه. هذه شروط وجوب الكفارة.
يقول:"يُسن الحنث، ويُكْرَه البر، إذا كان على فعل مكروه، أو ترك مندوب، وعكسه بعكسه."
تذكرون حديث أبي موسى، لما جاء في غزوة تبوك يطلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحمله ويحمل قومه، فقال - صلى الله عليه وسلم -"ما عندي ما أحملكم، والله لا أحملكم، ثم جاءته إبل من إبل الصدقة، فأرسل إليهم خمس ذود غر الذرى، فعند ذلك قالوا: استغفلنا رسول الله يمينه، قد حلف أنه لا يحملنا، فقال - صلى الله عليه وسلم - إني لأحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها، إلا أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني".
وكذلك قال لعبد الرحمن بن سمرة:"إذا حلفت على يمين ورأيت غيرها خيرا منها، فكفِّرْ عن يمينك، وأت الذي هو خير".
فإذا حلف أنه لا يكلم فلانا بغير سبب، فهذا حرام؛ هجرانٌ لمسلم، يكفِّر ويكلمه، مثلا أو حلف ألا يقبل هديه فلان، قبول الهدية مستحب يكفر ويقبل هذه الهدية، حلف ألا يجيب دعوة فلان، إجابة الدعوة من الواجبات أو المستحبات، يكفر عن يمينه ويجيب، يجيب تلك الدعوى، حلف أنه لا يصل فلانا، وكان له قرابة، أو لا يهدي إليه، أو لا يستضيفه، يُكفِّر عن ذلك ويفعل؛ فإن هذا فعل خير.
روي أن رجلا كان له دين على إنسان، فطلبوا منه أن يسقط من دينه، فحلف وقال: والله لا أسقط منه شيئا، أنكر عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال:"حلف ألا يفعل خيرا"يعني: حلف أنه ما يتنازل عن شيء من ماله، فالأولى أنه يسقط عن هذا الغريم المدين الفقير، وأن يكفر عن يمينه.
وهكذا -مثلا- إذا حلف أنه لا يتصدق في هذا الشهر، الصدقة خير، عليه أن يحنث، وأن يتصدق ويكفر، وهكذا -أيضا- في سائر المستحبات.
وكذلك -أيضا- يُكْرَه أن يَبَرَّ في يمينه إذا كانت فيها كراهة، يبر بها إذا كان فيها شيء من ترك البر، يكره بره بيمينه إذا كانت على فعل مكروه، أو ترك مندوب.
فعل المكروه، كأن يحلف -مثلا- أن يسب فلانا؛ لأنه قد سبه، سبَّني والله لأسبنه، والله لأخجلنه، وأفضحنه في كذا وكذا، الأولى لك أن تكفر ولا تفعل.
أو يقال -مثلا-: إن فلانا اغتابك، والله لأغتابنه، كَفِّرْ ولا تغتب، هذا فعل محرم أو مكروه.
أو -مثلا- إذا قال: إنه -مثلا- ضرب ولدك، حلف وقال: لأضربن ولده، الأولى أنك تعفو وتصفح، وأشباه ذلك.
وأما إذا كان فعل خير، فإن عليه أن يفي به، ويكره حنثه، إذا حلف: والله لأتصدقن في هذا اليوم، فلا يحقر صَدَقَة ولو بشيء قليل، أو حلف -مثلا-: والله لأقرأن في هذا اليوم جزءًا من القرآن، يُكْرَه حنثه، يوفي بما حلف عليه.
أو كذلك -مثلا- إذا كان -مثلا- مدخنا حلف: والله لا أدخن في هذا اليوم. عليك أن توفي بيمينك.
أو -مثلا- كان يسمع الغناء حلف: والله لا أسمعه في هذا اليوم. عليك أن توفي بيمينك؛ لأن هذا فعل خير، لأنك حلفت على ترك الشر، وأشباه ذلك.