كذلك أيضا ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - هَمَّ أن يحرق على المتخلفين بيوتهم، ولا يهم إلا بحق، وإنما منعه ما فيها من النساء والذرية، وقد كان عازما على أن يحرقها عليهم، ولا شك أن ذلك دليل على ما قاموا به من السيئة وترك العمل الواجب.
وكذلك أيضا في الحديث الذي ذكر في بلوغ المرام قوله - صلى الله عليه وسلم - " من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر ".
والأدلة على وجوبها كثيرة، والحكم والمصالح التي تترتب على تركها كثيرة، والمفاسد التي تترتب على تركها كثيرة، المحاسن والحكم التي تترتب على أدائها جماعة لا تحصى.
نقول: لا تلزم إلا الرجال، أما النساء فتجوز صلاتهن في المساجد من غير وجوب، ثبت أن النساء كن يشهدن صلاة الجماعة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى قال: " خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها ".
وقال - صلى الله عليه وسلم - " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " ثم قال: " وبيوتهن خير لهن " وقال: " إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها " ومع ذلك فإن بيتها خير لها؛ لأنها قد يتعرض لها الفساق ونحوهم.
ولا تلزم إلا للصلوات الخمس، أما غيرها من النوافل فتصح في البيت.
ولا تلزم أيضا إلا المؤداة، أما المقضية التي قد فات وقتها فيصلها بمفرده متى تيسر له أداؤها.
وتسقط عن المملوك إذا كان المسجد بعيدا، فإذا كان قريبا يلزم سيده أن يمكنه من أداء الجماعة في المساجد.
وتسقط عن العاجزين لمرض أو كبر يشق معه الحضور إلى المسجد، وإنما تلزم القادر وهو الصحيح، الصحيح سالم الأعضاء.
والمعتاد أن كل مسجد له إمام راتب، فيكون هو أولى بمسجده، فيحرم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب الذي عين فيه والتزم به، فلا يجوز لأحد -ولو كان أفضل منه- أن يتقدم ويصلي إلا بإذنه، برخصة منه، فله أن يقدم غيره، أو تأخر لعذر، بأن تأخر، إذا تأخر نُدِبَ أن يراسَل، فإذا عُرف عذره وعدم حضوره قدموا غيره، وكذلك لو عُرف عدم كراهته أن يقدم فلانا أو يتقدم فلان.
من المباحث إذا قيل: بأي شيء تدرك الجماعة؟ فيه خلاف أو فيه قولان:
القول الأول: أنها تدرك بإدراك تحريمة قبل السلام، فإذا أتيت وهم في آخر التشهد وقلت:"الله أكبر"قبل أن يسلموا أدركت فضل الجماعة، وإن كان فاتتك تكبيرة الإحرام، وفاتك فضيلته متابعة الإمام، ولكن تعد مدركا للجماعة إذا أدركت هذه التحريمة قبل السلام، هذا قول.
والقول الثاني: -ولعله الأرجح- أنها لا تدرك إلا بإدراك ركعة كاملة، فمن أتى وهم قد صلوا أربع ركعات في الرباعية -يعني ما بقي عليهم إلا آخر الركعة- فإنه قد فاتته الجماعة.
نتيجة الخلاف: إذا أتيت مثلا وهم في التشهد الأخير، أو أتيت وقد رفعوا من الركعة الأخيرة، ما بقي إلا السجدتان والتشهد، فهل تدخل معهم، أو تنتظر جماعة أخرى؟
إذا قلنا إنها تدرك بالتحريمة ادخل معهم؛ لأنك تدرك الجماعة وفضلها. وإذا قلنا إنها لا تدرك إلا بإدراك ركعة فإنك تنتظر جماعة أخرى، إن كان معتادا أن يأتي بعض المتخلفين ويقيمون جماعة أخرى فانتظرهم، وإن لم يعتد، بل الأصل أنهم يصلون في بيوتهم، ولا يأتي أحدهم بعد السلام، فادخل مع الجماعة ولو لم تدرك إلا آخر التشهد.
بعد ذلك إذا قيل: بأي شيء تدرك الركعة؟ متى يكون الإنسان مدركا الركعة التي يعتد بها من صلاته؟
في ذلك أيضا خلاف، المشهور أنه يدركها بإدراك الركوع، متى أدرك الإمام راكعا وأدرك معه قول:"سبحان ربي العظيم"قبل أن يتحرك للقيام بالرفع أدرك الركعة، واعتد بها؛ وذلك لأنه أدرك معظمها.
والشيء يدرك بإدراك معظمه، أدرك مثلا الركوع، ثم أدرك القيام بعده، ثم أدرك السجدتين، وأدرك الجلسة بينهما، يعني أدرك أكثر الأركان، فاته ركن القيام الأول، وفاتته قراءة الفاتحة، فيكون مدركا للركعة لإدراكه أكثرها.