فاتفاق مجتهدي عصر يفيد اتفاق جميعهم أي اشتراكهم في ذلك الأمر المجمع عليه فخرج ما اتفق عليه بعضهم كما هو قول الجمهور وإنما الشأن فيما إذا انفرد واحد في عصر هل يكون قوله إجماعا فظاهر هذا لا ولا ضير لأن الأظهر أن قوله ليس إجماعا كما سيأتي ويفيد أنه لا عبرة باتفاق غيرهم قيل اتفاقا وفيه نظر بل الجمهور على أنه لايعتبر خلاف العامي الصرف ولا وفاقه والقاضي أبو بكر الباقلاني يعتبر مطلقا وآخرون يعتبر في الإجماع العام وهو ما ليس مقصورا على العلماء وأهل النظر بل يشترك فيه الخاصة والعامة لحاجة الجميع إلى معرفته كالإجماع على أمهات الشرائع من الصلاة والزكاة والصوم والحج وعلى وجوب الغسل وتحريم الربا وشرب الخمر لا في الإجماع الخاص وهو ما يختص بالرأي والاستنباط وما يجري مجراه فيختص به الخاصة من العلماء الذين هم شهداء الله كفرائض الصدقات وما يجب من الحق في الزروع والثمار وعلى هذا مشى الجصاص وفخر الإسلام ولا ضير فإن التعريف إنما هو للخاص
هذا وقد حكي خلاف في المراد باعتبار قول العامي في الإجماع فذكر السبكي أن المراد في صحة إطلاق أن الأمة أجمعت وأنه صريح كلام القاضي وذكر الآمدي أن المراد في افتقار كونه حجة ثم لا شك في بعده بل في سقوطه لأن القول بغير دليل باطل والعامي ليس من أهل الاستدلال والنظر فلا يكون من أهل الإجماع فيما يحتاج إلى النظر كالصبي والمجنون فلا يعتد فيه بخلافه ولا وفاقه على أن على اعتبار قوله لا يتحقق الإجماع لعدم إمكان ضبط العامة والاطلاع على أقاويلهم لاتساع انتشارهم شرقا وغربا واللازم منتف فالملزوم مثله وأما العامي غير الصرف ممن حصل علما معتبرا من فقه أو أصول فمن الظاهر أن القاضي يعتبره في الإجماع بطريق أولى وأما غيره فمنهم من طرد عدم اعتباره أيضا نظرا إلى فقد أهلية الاجتهاد ومنهم من اعتبره بحصول قوة النظر له في الأحكام أو في الأصول ولا كذلك العامي ومنهم من اعتبر الفقيه لا الأصولي لأن الفقيه عالم بتفاصيل الأحكام التي يبنى عليها الخلاف والوفاق ومنهم من عكس لكون الأصولي أقرب إلى مقصود الاجتهاد لعلمه بمدارك الأحكام على اختلاف أقسامها وكيفية استفادتها منها والأول هو المشهور وعليه التعريف ويفيده اختصاص الإجماع بالمسلمين لأن الإسلام شرط في الاجتهاد ويلزمه خروج من يكفر ببدعته كالكافر أصالة
وأما العدالة فسينبه المصنف رحمه الله على وجوب التعرض لها في التعريف على قول مشترطها في أهل الإجماع واندفع بإضافة المجتهدين إلى عصر أي زمن طال أو قصر توهم أن لا يتحقق الإجماع إلا باتفاق أهل الحل والعقد في جميع الأعصار إلى يوم القيامة وخرج بقوله من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إجماع الأمم السالفة فإنه ليس بحجة كما نقله في اللمع عن الأكثرين وهو الأصح كما هو ظاهر ما سيأتي من السنة خلافا للإسفراييني في جماعة أن إجماعهم قبل نسخ مللهم حجة وللآمدي موافقة للقاضي في اختياره الوقف وخرج بالأمر الشرعي وهو ما لا يدرك لولا خطاب الشارع سواء