انتفى وجود الحد الحقيقي في نفسه فقد انتفى كونه مقدمة للشروع ومن اصطلح على الثاني جوز وجود الحد الحقيقي للعلوم لما ذكرناه وحينئذ لا يبعد جواز وجوده مقدمة للشروع إذ لا مانع من ذلك والتعاليل من الطرفين مما يرشد إلى ذلك ولو وقع الاتفاق على أن مسمى الحد الحقيقي ما قاله الأولون أو ما قاله الآخرون لارتفع الخلاف إذ على التقدير الأول يقع الاتفاق على نفي وجوده مطلقا وعلى التقدير الثاني يقع الاتفاق على جواز وجوده مطلقا ولا بعد حينئذ في أن يقع الاتفاق على جواز كونه مقدمة للشروع ثم ما ذكره المصنف من أن العلم مطلقا ذاتي لما تحته من الأنواع لا عارض لها هو الظاهر للقطع بأن مفهومه معتبر فيما تحته منها يقينا وظنا وغيرهما لا يزيد كل منها عليه إلا بما ينضم إليه فيصير به نوعا فاندفع منع كونه ذاتيا لما تحته كما في شرح المواقف للمحقق الشريف ولا يقال ينبغي أن لا يصح انقسام العلم إلى ما ذكرتم لأنه من مقولة الكيف على ما هو الصحيح والكيفيات لا تقبل التقسيم ولا يبحث عنها بكم لأنها لا تتجزأ لأنا نقول التقسيم المنفي عنها تقسيم الكل إلى أجزائه ومطلق العلم كلي معقول وما تحته من المعاني هي جزئيات له ولا ريب في صحة قسمة الكلي إلى جزئياته فيجوز السؤال عن عدد جزئيات مطلق العلم وانقسامه إليها وحمله بالمواطأة عليها والله تعالى اعلم الأمر ( الثاني )
من الأمور التي مقدمة هذا الكتاب عبارة عنها في بيان موضوعه
( موضوعه )
أي أصول الفقه
( الدليل السمعي الكلي )
فالدليل سيأتي بيانه مستوفى والسمعي ما ثبت كونه كذلك بالشرع فصدق على القياس كما على الكتاب والسنة والإجماع وهو احتراز عما ليس بسمعي فإنه ليس موضوع هذا العلم سواء كان عقليا صرفا أو حسيا محضا أو غيرهما والكلي سيأتي معناه أيضا وهو احتراز عن الجزئي فإنه ليس موضوع هذا العلم وإنما هو من أفراد أنواعه أو أعراضه أو أنواعها يكون موضوعا لمسائله كما سيأتي قريبا
فإن قلت كيف يستقيم وصف الدليل السمعي به وهو لا وجود له في الخارج والدليل السمعي موجود فيه قلت الكلي الذي لا وجود له في الخارج هو العقلي والمنطقي وهذا الكلي ليس بأحدهما وإنما هو كلي طبيعي وهو مما قد يكون موجودا في الخارج على ما عرف ثم ليس الدليل المذكور من حيث هو موضوع هذا العلم بل
( من حيث يوصل العلم بأحواله )
أي الدليل
( إلى قدرة إثبات الأحكام )
الشرعية
( لأفعال المكلفين )
التي لا تقصد لاعتقاد وإنما طوى ذكرهما للعلم بهما مما تقدم
( أخذا من شخصياته )
أي حال كون الدليل المذكور مأخوذا أي منتزعا من ما صدقاته وإنما كان هذا موضوع هذا العلم لأن موضوع كل علم ما يبحث فيه عن أعراضه اللاحقة لذاته أو مساويه والعارض هنا الخارج المحمول وقد يتجوز في التمثيل بمبدئه والذاتي منه ما عروضه بلا واسطة في الثبوت في نفس الأمر وإن استدعى وسطا في التصديق لخفاء ذلك اللزوم لا ما منشؤه الذات كما ذهب إليه بعضهم