ثالثا: تستند الديمقراطية في أساس مبادئها إلى مبدأ (المساواة المطلقة ) بين البشر بصرف النظر عن العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو العلم أو غيرها من الفوارق ..
ولكن المساواة في مفهوم الإسلام هي على أساس التفاضل في الدين , ثم في التقوى والعلم وما خص الله به الرجال على النساء من حقوق وواجبات. وغير ذلك..
فالديمقراطية تسوي في حقوق الترشيح للمناصب أو التصويت عليها أو على أي تشريع بين الناس .. بين الكافر والمسلم .. والمؤمن والملحد والبر والفاجر و الخلوق والفاسق والعالم والجاهل والرجل والمرأة والعدل وساقط العدالة.. إلخ ولكن للإسلام منظورا آخر.. قال تعالى:
?أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ? (القلم:35-36) . وقال تعالى: ? قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ ? (الزمر: 9 ) , وقال تعالى: ? وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَاالأُنْثَى ? (آل عمران: 36 ) ..وقال عز من قائل:
? الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ? (النساء: 34) . وروي عنه صلى الله عليه وسلم قوله: (من بدل دينه فاقتلوه) . (ما أفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة) .
ونصوص الشريعة لا تبيح الإمامة - أي شكل من الإمامة على المسلمين - لكافر أو مرتد , بل ولا لظالم مبتدع من المسلمين إبتداءا . قال تعالى: ? وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ? (البقرة:124) . كما تنقض إمامته لو طرأ عليه الكفر والردة إجماعا . وبالفسق والظلم بحسبه على خلاف بين العلماء .
كما تكفل الشريعة للذمي الكافر حقوقه الدينية والشخصية . وألا يُعتدى على دمه وماله وعرضه وذمته , ما لم ينقضها بعدوان .
ولكن الشريعة لا تجيز استعمال الكافر في أي من أمور الدولة , ولا تبيح أن يكون في مكان يكون له فيه يد على مسلم . قال تعالى: ? وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ? (النساء:141) . بل إن الشريعة تجرد المسلم الفاسق المجاهر بالمعصية من عدالته , وتنزع منه حتى حق الشهادة ..
وإدارة الدولة في الإسلام لأهل الحل والعقد من أولي الأمر من العلماء والأمراء المسلمين المؤمنين ولا حق فيها لكافر ولا مجاهر بفجور من المسلمين . وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم قوله: ( ليليني منكم أولي الأحلام والنهى ) .. فالمسؤوليات ليست حتى لعوام المسلمين فضلا عن الفاسقين غير العدول منهم بله الكافرين .
ولما رأى عمر رضي الله عنه اجتماع الناس من القبائل والأعراب على باب سقيفة بني ساعدة , فيما كان سادات المهاجرين والأنصار من الصحابة مجتمعين لبحث خلافته صلى الله عليه وسلم . خرج إليهم رضي الله عنه و سألهم فيم اجتماعهم وعما جاء بهم, فأجابوه بأنهم جاؤوا ليشاركوا في الأمر , أمر الولاية بعده صلى الله عليه وسلم . فقال لهم: ( ليعد صاحب المصنع إلى صناعته وصاحب العمل إلى عمله. إنما الأمر للمهاجرين والأنصار من أهل المدينة والناس بعد ذلك لهم تبع ) ...
هذا بعض وجوه تناقض الإسلام والديمقراطية في المساواة ..
رابعا: تعطي الديمقراطية لنواب الأمة في البرلمان حقا زائدا من الحصانة في التعبير والإدلاء بآرائهم وتعفيهم من المتابعة والمقاضاة تبعا لما يصرحون به من آراء.
وعلى هذا نصت معظم دساتير الدول الديمقراطية . وحتى الهمجية الديكتاتورية التي تزعم الديمقراطية في بلاد المسلمين ..
ومن هنا يحق لكل ملحد وعلماني وصليبي ومارق , ما دام عضوا في البرلمان أن يتفوه بما يريد.. ويدعوا للتشريع لما يريد .. ويجحد ما يريد .. ويدعو لقداسة ما يريد , وللتحليل والتحريم برأيه.. وفي هذا ما لا يخفى من جحود الشريعة والاستهزاء بها بصورة مباشرة أو غير مباشرة , والدعوة لتحريم ما أحل الله , وتحليل ما حرم الله , فضلا عن الهزء بشعائر الدين ومقدساته وما إلى ذلك ..
فكيف بالمسلم عضو البرلمان أن يجلس في هذه المجالس والله تعالى يقول: ? وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ? (النساء:140) . لا إله إلا الله .. و سبحان من أحاط علما بالأولين والآخرين وما كان وما سيكون..
خامسا: تنص مبادئ الديمقراطية والفقه الدستوري المنبثق منها على أن التشريع يأخذ مشروعيته من وجود أغلبية مؤيدة وأقلية معارضة.. وينصون على أن لا دستورية لقانون بغير حق معارضة..
ومن هنا يأخذ التشريع قيمته الديمقراطية. إذ لو امتنع حق المعارضة لصار تشريعا ديكتاتوريا ومفروضا لا يستحق أن يأخذ صفته الدستورية لأن الأمة ( صاحبة السيادة والجلالة ) وفق هذه الفلسفة لم يستوف أفرادها حقهم في المعارضة . وعلى هذا فالتشريع انبثق عن تأييد ومعارضة.. أي بمعنى أنه قد شارك في التشريع من أيد بتأييده . وشارك فيه من عارض بمعارضته. فلما غلبت أكثرية المؤيدين أقلية المعارضين أخذ التشريع طريقه للإقرار ومشروعيته من خلال وجود أقلية معارضة.