بِحُلُمٍ وَعَقْلٍ وَوَقَارٍ - مَا نَعْلَمُ عَنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم شَيْئًا غَيْرَ هَذَا , وَكُلُّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِمْ , وَحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ , وَأَكْثَرُهُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِنَا . وَعَنْ التَّابِعِينَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ { فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } قَالَ: صَلَاحٌ فِي دِينِهِ وَحِفْظٌ لِمَالِهِ . وَعَنْ الشَّعْبِيِّ: إنْ كَانَ الرَّجُلُ لِيَشْمُطُ وَمَا أُونِسَ مِنْهُ رُشْدٌ . وَرُوِّينَا مِثْلَ قَوْلِهِمْ عَنْ شُرَيْحٍ , وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ , وَرَبِيعَةَ , وَعَطَاءٍ . وَرُوِّينَا عَنْ الضَّحَّاكِ: أَنَّهُ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ مَالٌ حَتَّى يُؤْنَسَ مِنْهُ صَلَاحٌ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ , عَنْ شُرَيْحٍ , وَلَا عَنْ الْقَاسِمِ مَنْعُهُ مِنْ عِتْقٍ , وَصَدَقَةٍ , وَبَيْعٍ , لَا يَضُرُّ مَالَهُ , إنَّمَا جَاءَ ذَلِكَ عَنْ رَبِيعَةَ , وَعَطَاءٍ فَقَطْ . قَالَ عَلِيٌّ: مَا نَعْلَمُ لَهُمْ عَنْ التَّابِعِينَ غَيْرَ هَذَا , وَبَعْضُهُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِنَا . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ مَا الرُّشْدُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ أُونِسَ مِنْهُ بِدَفْعِ مَالِهِ إلَيْهِ ؟ فَنَظَرْنَا فِي الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ الْمُبَيِّنُ لَنَا مَا أَلْزَمَنَا اللَّهُ تَعَالَى إيَّاهُ , فَوَجَدْنَاهُ كُلَّهُ لَيْسَ الرُّشْدُ فِيهِ إلَّا الدِّينَ , وَخِلَافَ الْغَيِّ فَقَطْ , لَا الْمَعْرِفَةَ بِكَسْبِ الْمَالِ أَصْلًا , قَالَ تَعَالَى: { لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاَللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى } وَقَالَ تَعَالَى: { أُولَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ } وَقَالَ تَعَالَى: { وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } . فَصَحَّ أَنَّ مَنْ بَلَغَ مُمَيِّزًا لِلْإِيمَانِ مِنْ الْكُفْرِ فَقَدْ أُونِسَ مِنْهُ الرُّشْدُ الَّذِي لَا رُشْدَ سِوَاهُ أَصْلًا , فَوَجَبَ دَفْعُ مَالِهِ إلَيْهِ , وَمَا يَشُكُّ مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ أَنَّ فِرْعَوْنَ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا أَشَدَّ عِنَايَةً بِالْمَالِ , وَأَضْبَطَ لَهُ , وَأَكْثَرَ وَأَعْرَفَ بِوُجُوهِ جَمْعِهِ مِنْ مُوسَى عليه السلام , وَأَنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ قَطُّ مَغْبُونًا فِي مَالِهِ . وَلَقَدْ أَتَى مُوسَى عليه السلام , وَالْخَضِرُ عليه السلام , إلَى أَهْلِ قَرْيَةٍ فَاسْتَطْعَمَاهُمْ ؟ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا , فَبَاتَا لَيْلَتَهُمَا بِغَيْرِ قِرًى , وَمَا بَلَغَ فِرْعَوْنَ فِي مِلْكِهِ قَطُّ هَذَا الْمَبْلَغَ . وَكَذَلِكَ لَا شَكَّ فِي أَنَّ الْمُقَنْطِرَ مِنْ قُرَيْشٍ كَأَبِي لَهَبٍ , وَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَابْنِ جُدْعَانَ: كَانُوا أَبْصَرَ وَأَسْرَعَ إلَى كَسْبِ الْمَالِ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَ مِنْ مُسَاعَاةِ الْإِمَاءِ , وَالرِّبَا , وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم . رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ , وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ: وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ هِشَامٌ: عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَقَالَ ثَابِتٌ: عَنْ أَنَسٍ , ثُمَّ اتَّفَقَ أَنَسٌ , وَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَذَكَرَا حَدِيثَ تَلْقِيحِ النَّخْلِ , وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: { أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ } . فَصَحَّ أَنَّ الرُّشْدَ لَيْسَ هُوَ كَسْبَ الْمَالِ , وَلَا مَنْعَهُ مِنْ الْحُقُوقِ , وَوُجُوهِ الْبِرِّ , بَلْ هَذَا هُوَ السَّفَهُ , وَإِنَّمَا الرُّشْدُ طَاعَةُ اللَّهِ تَعَالَى , وَكَسْبُ الْمَالِ مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي لَا تَثْلِمُ الدِّينَ , وَلَا تَخْلَقُ الْعِرْضَ , وَإِنْفَاقُهُ فِي الْوَاجِبَاتِ , وَفِيمَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِلنَّجَاةِ مِنْ النَّارِ , وَإِبْقَاءُ مَا يَقُومُ بِالنَّفْسِ , وَالْعِيَالِ , عَلَى التَّوَسُّطِ وَالْقَنَاعَةِ , فَهَذَا هُوَ الرُّشْدُ . وَقَالَ تَعَالَى: { سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا } وَهَكَذَا كُلُّ مَكَان فِي الْقُرْآنِ ذُكِرَ فِيهِ الرُّشْدُ . وَكَذَلِكَ لَمْ نَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ: أَنَّ الرُّشْدَ هُوَ الْكَيِّسُ فِي جَمْعِ الْمَالِ وَضَبْطِهِ , فَبَطَلَ تَأْوِيلُهُمْ فِي الرُّشْدِ بِالْآيَةِ , وَفِي دَفْعِ الْمَالِ بِإِينَاسِهِ . وَصَحَّ أَنَّهَا مُوَافِقَةٌ لِقَوْلِنَا , وَأَنَّ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى يَقِينًا بِهَا: إنَّمَا هُوَ أَنَّ مَنْ بَلَغَ عَاقِلًا مُمَيِّزًا مُسْلِمًا وَجَبَ دَفْعُ مَالِهِ إلَيْهِ , وَجَازَ فِيهِ مِنْ جَمِيعِ أَفْعَالِهِ مَا يَجُوزُ مِنْ فِعْلِ سَائِرِ النَّاسِ كُلِّهِمْ , وَيُرَدُّ مِنْ أَفْعَالِهِ مَا يُرَدُّ مِنْ أَفْعَالِ====