فهرس الكتاب

الصفحة 770 من 1037

وقد جهل هؤلاء أن القرآن سابق على قواعد النحو التي وضعها سيبويه والخليل الفراهيدي معتمدين في استنباطهم لهذه القواعد على القرآن الكريم و بعض أشعار العرب فلا يمكن أن تكون هذه القواعد اللاحقة حكمًا على الأصل الذي صدرت عنه.

ثم إن المتبصر العارف بلغة العرب يرى أن هذه المواضع التي أنكرها النصارى لم تخالف لغة العرب ولنضرب لذلك أمثلة.

1-قوله تعالى { إن هذان لساحران } حيث جاءت كلمة هذان مرفوعة وحقها أن تنصب

الجواب الأول: إنْ بالسكون وهى مخففة من إن ، وإنْ المخففة تكون مهملة وجوبًا إذا جاء بعدها فعل ، أما إذا جاء بعدها اسم فالغالب هو الإهمال نحو: (إنْ زيدٌ لكريم) ومتى أُهمِلَت يقترن خبرها باللام المفتوحة وجوبًا للتفرقة بينها وبين إنْ النافية كى لا يقع اللّبس. واسمها دائمًا ضمير محذوف يُسمَّى ضمير (الشأن) وخبرها جملة ، وهى هنا (هذان ساحران) .

الجواب الثانى: أن قوله تبارك وتعالى (( إن هذان لساحران (( هي لغة لبعض القبائل العربية يلزمون المثنى الألف فىجميع حالاته كبني الحارث بن كعب، وخثعم، وكنانة، وعذرة، وزبيد، وغيرهم. يقولون: مررت برجلان ، وقبضت منه درهمان، وجلست بين يداه.

كقول الشاعر: إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها

والأصل أن يقول غايتيها لأنها مفعول والشواهد كثيرة ،ولغة إلزام المثنى الألف لغة مشهورة ، وقد جاء القرآن على أحرف عدة ولغات شتى، فلا غرابة أن يكون في القرآن وجه ورد على لغة لبعض قبائل العرب المشهورة .

الجواب الثالث: أنها للنفي بمعنى: ما هذان إلا ساحران ، و في كلا الحالين ترفع كلمة هذان

2-أشكل على النصارى أيضًا نصب لفظة { الصابرين }

في قوله { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا و الصابرين في البأساء و الضراء و حين البأس }

والجواب أن نصبها كان بسبب فعل محذوف ، و تقدير الكلام:أمدح الصابرين. و سبب الإضمار هو الإشعار بفضل الصبر تقديره وأخص بالمدح الصابرين، والعطف هنا من باب عطف الجملة على الجملة.

3-أما تأنيث العدد في قوله { و قطعناهم اثنتي عشرة أسباطًا أممًا } فسببه أن التمييز ليس { أسباطًا } بل: فرقة. و هي مؤنثة و وافقها العدد، و أما أسباطًا فهي بدل كل من كل وكلمة (أمما) نعت للأسباط

4-أما نصب قوله { المقيمين } في قوله تعالى { لكن الراسخون في العلم منهم و المؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك و ما أنزل من قبلك و المقيمين الصلاة } فقد نصبت

أ- لأن الواو التي قبلها ليست بواو العطف، بل الواو المعترضة و ما بعدها نصب على المدح ، و تقدير الكلام: أمدح المقيمين الصلاة .

أي وأمدح المقيمين الصلاة، وفي هذا مزيد العناية بهم، فالكلمة منصوبة على المدح.

وعليه فهذه جملة اعتراضية وهى مفعول به لفعل محذوف تقديره (وأمدح) لمنزلة الصلاة ، فهى أول ما سيحاسب عليه المرء يوم القيامة. وفيها جمال بلاغى حيث يلفت فيها آذان السامعين لأهمية ما قيل.

أما (والمؤتون) بعدها على الرفع فهى معطوفة على الجملة التى قبلها.]

ب- ومنهم من جعل"المقيمين"مجرورًا لا منصوبًا ، وقال إن جره لأنه معطوف على الضمير المجرور محلًا فى"منهم"والمعنى على هذا:لكن الراسخون منهم والمقيمين الصلاة.

ج- وبعضهم قال إنه مجرور بالعطف على الكاف فى"أنزل إليك"وبعضهم قال إنه مجرور بالعطف على"ما"فى"بما أنزل إليك".

د - أو هو مجرور بالعطف على"الكاف"فى"قبلك"

5-رفعت كلمة { الصابئون } في قوله { إن الذين آمنوا و الذين هادوا و الصابئون والنصارى من آمن بالله و اليوم الآخر و عمل صالحًا }

أ- قال سيبويه: الرفع محمول على التقديم و التأخير، و التقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا ….و الصابئون و النصارى كذلك

وتوضيح ذلك أنه لو كان في الجملة اسم موصول واحد لحق لك أن تنكر ذلك ، لكن لا يلزم للاسم الموصول الثاني أن يكون تابعا لإنَّ. فالواو هنا استئنافية من باب إضافة الجُملة للجملة ، وليست عطفا على الجملة الأولى.

لذلك رُفِعَ ( والصابئون ) للإستئناف ( اسم مبتدأ ) وخبره محذوف تقديره والصابئون

كذلك أى في حكمهم. والفائدة من عدم عطفهم على مَن قبلهم هو أن الصابئين أشد الفرق المذكورين في هذه الآية ضلالًا ، فكأنه قيل: كل هؤلاء الفرق إن آمنوا وعملوا الصالحات قَبِلَ اللهُ تَوْبتهم وأزال ذنبهم ، حتى الصابئون فإنهم إن آمنوا كانوا أيضًا كذلك.

و هذا التعبير ليس غريبا في اللغة العربية، بل هو مستعمل فيها كقول بشر بن أبي خازم الأسدي الذي قال:

إذا جزت نواصي آل بدر فأدوها وأسرى في الوثاق *** وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ، ما بقينا في شقاق

والشاهد: وأنتم ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ، وبغاة خبر أن ( أو أنتم ) مرفوع، والخبر الثاني محذوف، وكان يمكن أن يقول فاعلموا أنا بغاة وأنتم بغاة، لكنه عطف مع التقديم وحذف الخبر ، تنبيها على أن المخاطبين أكثر اتصافا بالبغي من قومه هو ، فقدم ذكرهم قبل إتمام الخبر لئلا يدخل قومه في البغي ــ وهم الأقل فيه ــ قبل الآخرين

ومثله أيضا قول قيس بن الخطيم: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضِ والرأي مختلف والتقدير ونحن بما عندنا راضون

ب-: إنَّ لفظ إنَّ ينصب المبتدأ لفظا ويبقى مرفوعا محلا، فيصح لغة أن تكون ( والصابئون ) معطوفة على محل اسم إن سواء كان ذلك قبل مجيء الخبر أو بعده .

ج- أو هي معطوفة على المضمر في ( هادوا ) .

و هذه الصور و غيرها مما ذكر علماؤنا يدل على جهل مثيري الشبهات من النصارى بقواعد اللغة كما يدل على عظمة القرآن و بيانه. (( نقلا عن موقع شبكة بن مريم الإسلامية ) )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت