ولعلَّ العلَّة في اختيار أبي الأسود مصطلح: (الضَّمِّ) دون (الرَّفْع) مع تقدُّم هذا الأخيرِ في الزَّمَن، كما سيأتي، هو أنَّ الضمَّ صفةٌ لحركةِ العُضْو، أعني: الشفتَين، أمَّا: (الرَّفْعُ) فهو صفةٌ للصَّوت، أعني صوتَ الضَّمَّة، قال السُّهيليُّ:"فقولُنا إذًا: فتحٌ، وضمٌّ، وكسرٌ، وسكونٌ، هو من صفةِ العُضو، وإذا سمَّيناها رفعًا ونصبًا وخفضًا وجزمًا، فهي من صفة الصَّوت؛ لأنَّه يَرتفِعُ عند ضمِّ الشَّفتَين، ويَنتَصِبُ عند فتحِهما، ويَنْخَفِضُ عند كسرِهما، ويَنجَزِمُ عند سكونِهما" [1] . وصدَّر أبو الأسود كلامَه للكاتب بقوله: (إذا رأيتَني) .
استَعمل هذا المصطلح بمعنى استدارة الشفتَين عددٌ من العلماء، منهم: سيبويه [2] ، وابن السراج [3] ، وابن جنيّ [4] ، ومكِّيّ [5] ، والدانيّ [6] ، والقرطبيّ [7] .
2 ـ المعنى الثاني: الضَّمُّ = الرَّفع:
لم يُفرِّقْ أبو الأسود الدُّؤلِيُّ بين العلامات الخاصَّة بالإعراب والبناء في تلك المرحلةِ المبكِّرة، فيُفرِد لكلٍّ منها اسمًا خاصًّا؛ وأتى التفريقُ متأخِّرًا على يدِ سيبويه، ذكَرَ ذلك السيرافيُّ، فقال:"اعلم أن سيبويه لقَّب الحركات والسُّكون هذه الألقاب الثمانية ..." [8] .
وقد انفَرَد الخُوارِزْميُّ بنقْلِ مصطلحاتٍ نسَبَها للخَلِيل في وُجُوهِ الإعراب، ومنها مصطلحُ الضَّم، قال:"والضَّمُّ: ما وقَع في أعجازِ الكلمِ غير مُنَوَّنٍ، نحو: يَفْعَلُ" [9] . يعني رفع الفعل المضارع.
وقد طلَبتُ هذا المصطلح بهذا المعنى في كتاب العين، فلم أعثر عليه، ولا حتى أكثر معاني المصطلحات الأخرى التي نسَبَها للخليل، بَلْه الكتب الأخرى التي اعتمدتُّ عليها في البحث، فلا أدري من أين له هذه المعاني؟!
وإذا ثَبَتَ هذا المصطلحُ بهذا المعنى للخليل فإنَّهُ يُعَدُّ أقدَمَ استعمالٍ لِلَفظِ: (الضَّمِّ) بمعنى الرَّفْع، والله أعلم.
استَعمَل لفظَ: (الضَّمِّ) بمعنى الرَّفع الإعرابيّ إذا تجَاوَزْنا الخُوارِزميَّ: أبو الفضلِ الخزاعيُّ [10] ، وابن بلِّيمة [11] .
(1) نتائج الفكر ص 84.
(2) الكتاب 4/ 171 و 4/ 435.
(3) الأصول 3/ 404.
(4) سر صناعة الإعراب 1/ 8.
(5) الرعاية ص 127.
(6) التحديد ص 107.
(7) الموضَح ص 91.
(8) المطبوع من شرح كتاب سيبويه 1/ 65.
(9) مفاتيح العلوم 54.
(10) المنتهى ص 157.
(11) تلخيص العبارات ص 71.