والنصُّ يُشيرُ إلى أنَّ علمَ العربيةِ حينئذٍ يتمثَّلُ في هذه الثلاثة، فالأرجحُ أن يكون المقصودُ بها الإعرابَ على أواخر الكلمات؛ لأنه المُمَيِّزُ للغةِ العرب، وربَّما يُقصدُ بها الحركات.
وهذا النصُّ النَّفِيسُ يَرُدُّ ما هو مشهورٌ في الكتبِ من أنَّ حروفَ النَّصبِ، والجرِّ، والرَّفعِ، والجَزْمِ من وَضْعِ أبي الأسودِ الدؤليّ [1] .
والقصَّةُ التاريخيَّةُ لهذا المصطلح تُبَيِّنُ أنَّ مصطلحَ: (الرَّفعِ) مِن قَبْلِ سيبويه [2] كان ينُوبُ عن التحريكِ بالضَّمَّة، وعن علامة الإعراب، لا فرقَ في ذلك بين أوَّلِ الكلمة أو وسَطِها أو آخرِها، فربَّما عُبِّر بـ: (الرَّفع) عن التحريك بالضمِّ في أوَّل الكلمة أو وسطِها، وربَّما عُبِّرَ به عن الإعراب على أواخِر الكلمات.
استعمَل ذلك العلماءُ والقُرَّاءُ من قبلِ سيبويه حتى أستاذه الخليل، استَعمل ذلك، فمِن ذلك قولُه:"وعُِلْوُ كلِّ شيءٍ أعلاه، تَرْفَعُ العينَ وتَخْفِض" [3] . ولا عبرةَ بما قاله الخُوارزميُّ عن استعمالِ الخليل لـ: (الرَّفع) لحركة الآخِر من الاسم المعرَب المنوَّن (زيدٌ) ؛ لأنَّه لا دليلَ يَسنُدُه [4] .
واستعمَله من بعدِ سيبويه ـ دون التفريق ـ بعضُ كبارِ البصريِّين كأبي عبيدة والأخفش وأبي زيد اللُّغويّ إلى عصر المبرِّد، والقرَّاءُ مِن أصحاب ثعلب كابن مجاهدٍ وتلامذتِه، والنحويُّون من أصحاب المذهب الكوفيّ، قال السيرافيُّ:"فإنَّ كثيرًا من النَّحْويِّين الكوفيِّين يُخالِفُونَه، ويُسَمُّون الضمَّةَ اللاَّزِمَةَ رفعًا" [5] .
وظلَّ الأمرُ كذلك إلى أن غَلَبتْ مصطلحاتُ سيبويه واستقرَّتْ في أواخر القرن الرابع الهجريِّ تقريبًا بسببِ الانتشار الواسِع لكتابه في العواصمِ العلميَّةِ مصرَ والشامِ والأندلسِ، وثبَتَ استعمالُ الضمِّ في أوَّل الكلمة ووسطِها للتعبير عن التحريك بالضمِّ، واستِعمالُه في آخر الكلمةِ كعلامةٍ من علاماتِ البناءِ، أمَّا الرَّفعُ فاقتَصَرَ دورُه على أن يكون علامةً من علامات المُعرَب.
استَعمل كثيرٌ من العلماء: (الرَّفع) بمعنى التحريك بالضمِّ، في أوَّل الكلمة أو وسطها أو آخرِها، فمنهم:
عاصمُ بنُ أبي النَّجُود القارئ [6] ، والخليل [7] ، وابنُ جمَّازٍ [8] ، وإسماعيلُ بن جعفر القارئُ [9] ، وسُلَيمُ بن
(1) طبقات النحويِّين واللُّغويِّين للزبيديّ ص 21.
(2) من المعلومُ أنَّ التقسيمَ إلى علاماتِ إعراب وبناء هو مِن وضعِ سيبويه، ذكَرَ ذلك السيرافيُّ، فقال:"اعلم أن سيبويه لقَّب الحركات والسُّكون هذه الألقاب الثمانية ..." (شرح كتاب سيبويه 1/ 65) .
(3) العين 2/ 246.
(4) مفاتيح العلوم ص 54. وانظر ما قلته عن ذلك في مصطلح: الضَّمّ.
(5) المطبوع من شرح كتاب سيبويه 1/ 65.
(6) السبعة ص 218.
(7) العين 1/ 281، و 4/ 278، و 5/ 171، و 8/ 428.
(8) السبعة ص 108.
(9) السبعة ص 108.