وهذا معنى كلامِ ابن جنيّ:"إلاَّ أنَّ الصَّوتَ الذي يُؤدِّيه الوتَرُ غُفلًا غيرَ محصورٍ تَجِدُه بالإضافةِ إلى ما أدَّاهُ، وهو مضغوطٌ محصورٌ، أملسَ مهتزًّا، ويَختلِفُ ذلك بقَدْرِ قُوَّةِ الوتَرِ وصلاَبتِه، وضعفِهِ ورخاوَتِه" [1] .
وإنَّ معرفةَ ابنِ سينا لكيفيَّة تولُّد الصَّوت الحادِّ والثقيل في الحَنجَرَةِ في قوله:"إذا تَقَارَبَ غُضْرُوفُ الذي لا اسمَ لهُ من الدَّرَقيِّ وضامَّه حدَثَ منه تضيُّق الحَنجَرة، وإذا تنحَّى عنه وباعَدَهُ حدَث منه اتساعُ الحَنجَرة، ومن تَقَارُبِهِ وتَبَاعُدِهِ يحدُثُ الصَّوتُ الحادُّ والثقيلُ" [2] ، فيه إدراكٌ صوتيٌّ دقيق لعمليَّة شدِّ الوترَين الصَّوتيَّين وإرخائهما اللَّذين يُسبِّبان التغييرَ في الصَّوت.
ويُمثِّل شكل رقم (45) تقارب الغضروف الدَّرقي من الذي لا اسم له عند ابن سينا.
2 ـ أثرُ التغيُّر في الطول في وَتَرَينِ قوَّةُ شدِّهما ثابتة وكتلتُهما ثابتة على الصَّوت:
قِصَرُ الوتر يولِّد تردُّدًا أكبر في مقدار الذبذبة يعني كلَّما قصُرَت الأوتار زادت الذبذبة، وبالتالي زادت حِدَّةُ الصَّوت، والعكسُ بالعكس، قال الفارابيُّ:"وأنَّها إذا كانتْ على غِلَظٍ واحدٍ وتفاوتَتْ في الطُّولِ، فإنَّ أطولَها وأقصَرَها متى قُرِعا قَرْعًا بقوَّةٍ واحدةٍ، كان صَوتُ الأطوَلِ أثقلَ بسببِ إبطاءِ حركتِه، وصوتُ الأقصرِ أحدَّ بسببِ سُرعةِ حركتِه" [3] ، فزيادةُ الذبذبة تتناسبُ عكسيًّا مع طول الوتَر.
3 ـ أثرُ التغيُّر في الكتلةِ في وَتَرَينِ قوَّةُ شدِّهما ثابتة وطولهما واحدٌ على الصَّوت:
كتلةُ الوترِ الأقلُّ كثافةً يولِّد تردُّدًا أكبر في مقدار الذبذبة يعني كلَّما قلَّت كتلةُ الأوتار زادت الذبذبة، وبالتالي زادت حِدَّةُ الصَّوت، والعكسُ بالعكس، قال الفارابيُّ قياسًا على ما مضى:"وكذلك متى كانا على طولٍ واحدٍ وتفاوَتا في الغِلَظ" [4] ، فزيادةُ الذبذبة تتناسبُ عكسيًّا مع كتلةِ الوتَر.
ويمثِّل شكل رقم (46) جهاز المِصْوات (المُونُوكُورْد، السُّونَامِيتر) الذي يَتِمُّ فيه قياسَ هذه المتغيِّرات الثلاث، ويتألَّفُ مِن وتَرٍ واحدٍ يتمُّ فيه قياسها، وأظنُّ إلى درجة اليقين أنَّ المتقدِّمين كانوا يَعْلَمون النِّسب بين التردُّدات المختلفة في الأوتار، بل كانوا يُدْرِكُون نظريَّةَ جهازِ المِصْواتِ؛ لقول الفارابيِّ
(1) سر صناعة الإعراب 1/ 9.
(2) أسباب حدوث الحروف ص 65 - 66.
(3) الموسيقى الكبير ص 218.
(4) الموسيقى الكبير ص 218.