فهرس الكتاب

الصفحة 311 من 832

بحَث الفارابيُّ هذه العلاقة تحت عنوانٍ سمَّاهُ: (أسباب الحدَّة والثِّقَل في الأصوات) ، تناوَل فيه الجزءَ الخاصَّ بشدَّة الصَّوت، في الآلات النفخية كالمزمار، وذكَر أنَّه كلَّما كانت قوَّةُ النَّفخ من الزَّامر أكبر كان الصَّوتُ أحدَّ، وبالعكس، قال:"فإنَّ ضَعف القوَّةِ يصيرُ سببًا لإبطاء حركةِ الهواءِ، وزيادتُها هو سببٌ لسرعةِ حركةِ الهواء، ومتى كانتْ حركةُ الهواء أسرعَ كانتْ أجزاؤهُ أشدَّ اجتماعًا فيصيرُ الصَّوتُ أحدَّ، ومتى كانتْ حركتُه أبطأَ كانت أجزاؤه أقلَّ اجتماعًا فيصيرُ الصَّوتُ أثقلَ" [1] .

وقال في موضعٍ آخَر:"وكذلك متى كان زَحْمُ [صَدْمُ] القارعِ أشدَّ كان الصَّوتُ أحدَّ، من قِبَلِ أنَّه يَفعَلُ في الهواء النَّابي [الموجة الصوتيَّة الناتِجة] اجتماعًا أشدَّ، ومتى كان زَحْمُهُ أقلَّ كان الصَّوتُ أثقل" [2] . وهذا كالمثال الذي قدَّمتُه عن الشَّوكة الرنَّانة. فزيادةُ الطاقة المبذولة زادتْ من شدةِ الصَّوت وبالعكس.

وبالنسبة للمساحة فإنَّ تجويفَ المزمارِ أو ثقوبَه التي يخرجُ منها الهواءُ متى كانا أكبرَ خرجَ الصوتُ ضعيفًا في السَّمع (ثقيلًا) ، وإذا صغُرَ تجويفُ المزمار أو ثُقُوبُه كان الصَّوتُ مرتفعًا (حادًّا) ، قال:"وإمَّا لضيقِ التجويفِ الذي هو مجازُ الهواء، ولسعتِه، من قِبَلِ أنَّ التجويفَ متى كانَ أضيقَ كان ازدحامُ الهواء فيه ومصاكَّتُهُ واجتماعُ أجزائهِ أشدَّ، فتصيرُ النَّغمةُ الكائنةُ منه أحدَّ، ومتى كان أوسعَ كان أحرى أن يكونَ ازدحامُهُ أضعفَ وأن يكونَ في أجزائه تَشَتُّتٌ وافتراقٌ أكثرَ فتكون النَّغمةُ الكائنةُ عنه أثقلَ."

وإمَّا لِضيقِ مُتَخَلَّصَاتِ الهواءِ من تجويفاتِ هذه الآلاتِ إلى خارجٍ، ولسِعتِها، وذلك للسَّبَبِ الذي قيل في ضيقِ التجويفِ وسعتِه" [3] ."

ومن هذه العلاقة في تغيُّر الصَّوت بين سعة التجويف وضيقه أرجعَ بعض الأطباء الصَّوت العظيمَ والصَّغير الذي يُسمَع من بعضِ الناس إلى حجم تجويف القصبة الهوائيَّة، قال المجوسيُّ:"ويَنبَغِي أن تَعْلَمَ أنَّ عِظَمَ الصَّوتِ وصِغَرَهُ ليس يكونُ من قِبَلِ الحرارةِ والبرودةِ فقط، لكن عظمَ الصَّوتِ يَتْبَعُ عِظَمَ قصَبَةِ الرِّئةِ وسعتِها، وذلك أنَّ الهواءَ يَخرُجُ من القصبة الواسِعةِ كثيرًا، وصِغَرُ الصَّوتِ تابعٌ لضيقِها، وذلك أنَّ الهواءَ يَخرُجُ من القصبة الضيِّقَةِ قليلًا" [4] .

2 ـ العلاقةُ الرِّياضِيَّة الثانية التي تتحكَّمُ في شدَّة الصَّوت:

أنَّ شدَّةَ الصَّوت تَضْعُف كلَّما ابتعدنا عن المصْدَر، والعكسُ بالعكس؛ لأنَّ المساحةَ التي يَتوزَّعُ عليها الصَّوتُ تزدادُ، فصار الصَّوتُ أثقل. أي أنَّ المسافة تتحكَّم في الشدَّة، وفي ذلك يقول الفارابيُّ:"وقد يتَّفِقُ في بعضِها أن تكونَ الثُّقَبُ الكِبَارُ التي تَقرُبُ من فم الزَّامِرِ يَخرجُ الصَّوت منها أحدَّ ممَّا يَخرُجُ من الثُّقَب"

(1) الموسيقى الكبير ص 773.

(2) الموسيقى الكبير ص 217.

(3) الموسيقى الكبير ص 773.

(4) كامل الصناعة الطبية 1/ 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت