الصِّغار التي تَبْعُدُ من فمِه، والسَّببُ في ذلك أنَّ الهواءَ الخارجَ من الثُّقَب الكِبارِ التي تَقْرُبُ من فمِهِ، إنَّما يَخْرُجُ مِن قوَّةِ نفخِه ولَمَّا تَكِلَّ القُوَّةُ بَعْدُ، والخارجَ عمَّا بَعُدَ من الثُّقَبِ فإنَّ القوَّةَ تَضعُفُ عنه فيكون أبطأَ حركةً" [1] ."
وقال:"فإنَّ مسافةَ الهواءِ إذا طالتْ طولًا تَخُورُ القوَّةُ الدافعةُ لهُ عن أن تُنفِذَ إليه هواءً مصاكًّا لم يَحْدُث في أواخرِ أجزاءِ الطُّولِ صوتٌ أصلًا" [2] . ويُقدِّم شكل رقم (49) مثال الابتعاد عن المصدر الذي يؤثر في شدة الصَّوت.
وكان المتقدِّمون يَعْلَمُونَ مقدار الحدَّة والثقل (اختلاف النَّغَمِ المسموعة) في الآلات النفخيَّة كالمزامير، والآلات الوتريَّة كالعُود في قياسِ سَعَةِ الثُّقُوبِ وضيقِها في المزامير، وطولِ الأوتار وقِصَرِها في الوتَرِيَّات، قال الفارابيُّ:"وهذان هما أبينُ ما يُمكِنُ أن يُوقَفَ به على مقاديرِ النَّغَمِ بعضِها من بعضٍ، أعني: الطُّولَ والقِصَرَ، وسعةَ الثُّقْبِ وضيقَه، ولذلك يجبُ أن يكونَ تَعَرُّفُنا مقاديرَ النَّغَم مِن مقاديرِ الأطوَلِ والأقصَر في الأوتار، والأوسعِ والأضيَقِ في المزاميرِ" [3] .
وكان من المتعذِّرِ عليهم في تلك العُصور ـ بشهادةِ الفارابيِّ ـ قياسُ كُتَل الموادِّ، يعني نسبةَ كتلة الخشب إلى كتلة الحديد إلى كتلةِ النُّحاس، ليختبروا قياس سرعةِ الصَّوت في هذه الموادِّ، قال الفارابيُّ:"ومن هذه الأسباب التي عُدِّدَتْ، أعني أسبابَ الثِّقَلِ والحِدَّةِ ما لا يُمْكِنُ أن يُوقَفَ على مقاديرِ تفاضُلِهِما بشيءٍ ممَّا يُوقَفُ به على المقَاديرِ، وذلك مثل الملاسةِ والخُشُونةِ، فإنَّهُ ليس يُمْكِنُ أن يُعْلَمَ كم مقدارُ مَلاَسَةِ النُّحاسِ مِن مقدارِ مَلاَسةِ الخشبِ؛ فلذلك .. ما كان من هذه لا يُوقَفُ على مقاديرِ تَفَاضُلِهما لم يُوقَفْ به على مقاديرِ الحادِّ من الثَّقيلِ كم هو؟" [4]
ويُمثِّلُ جدول رقم (1) سرعة الصوت في بعض المواد، ويوضِّح ما كان متعذِّرًا قياسُه عند المتقدِّمين.
3 ـ المدى الطبيعيّ الذي تسمعه الأذن وعتبتا السَّمع والألم والحدَّة والثِّقَل
(1) الموسيقى الكبير ص 218.
(2) الموسيقى الكبير ص 774.
(3) الموسيقى الكبير ص 221.
(4) الموسيقى الكبير ص 220 - 221.