4 ـ الوَسَطُ النَّاقِلُ للصَّوتِ وأثرُه في الحدَّةِ والثِّقل
ذكَر الفيزيائيُّون"أنَّ الهواءَ ليس الوسطَ المادِّيَّ الوحيدَ المُؤهَّلَ لنقْلِ الصَّوت، وإن كان أكثرَ الأوساطِ النَّاقِلَةِ شيوعًا في حياتِنا اليوميَّةِ، فالصَّوْتُ يُمْكِنُه أن يَنْتَقِلَ في أيِّ وسطٍ مادِّيٍّ تَتَمتَّعُ جُزَيئاتُه بخاصِّيَّة المُرونة، وبسبب حتميَّةِ القُصور الذاتيِّ للأجسام، وميلها إلى استعادة وضعها الأصليِّ عند التأثير عليها بقوَّةٍ خارجيَّة، فإنَّ جميعِ الأوساطِ المادِّيَّة الصَّلبةِ والسائلةِ والغازيَّةِ مؤهَّلةٌ لنقلِ الصَّوْت" [1] .
وقد ذكَر الفارابيُّ شيئًا من ذلك، فقال:"والأجسامُ التي لدينا تَتَحَرَّكُ إلى جسمٍ آخَرَ في هواءٍ أو في ماءٍ أو فيما جانسَهُما من الأجسامِ التي يَسْهُلُ انخِراقُها" [2] .
وقال ابن سينا:"وكَمَا أنَّ الماءَ والهواءَ والفلك تَشْتَرِكُ في طَبيعَةِ أدَاءِ الألوانِ، وتلكَ الطبيعةُ لها اسمٌ، وهو الشَّفِيفُ، فكذَلِكَ الماءُ والهواءُ لهُمَا معنًى يَشْتَرِكَانِ فيه من حَيثُ يَحْدُثُ فيهِما الصَّوتُ، وليَكُن اسمُه: قَبُولَ التَّمَوُّجِ" [3] .
وتحدَّث الفارابيُّ عن الحدَّة والثقل في الوسط النَّاقِلِ للصَّوت كالهواء، يعني كيفيَّة انتقال الموجةِ الصَّوتيَّة، قال:"وأحدُّ ما يَفْعَلُ الاجتماعَ في الهواءِ هو سُرعةُ حركتِه، وسرعةُ نُبُوِّه [تفرُّقِه] ، فإنَّه بسُرعةِ حركتِه يَسَّابَقُ بشدَّتِهِ فيَصِلُ إلى السَّمْعِ مجتمعًا" [4] .
واستُعمِل للثقل بالإضافة إلى ما سبق معنيَان آخرَان هما:
1 ـ المستَثقَلُ في الحروف وتأليفِها. وشاركَهُ في هذا المعنى: (الاستثقال) .
2 ـ من عيوبِ النُّطق.
1 ـ المعنى الأوَّل لـ: (الثِّقَل) = المستثقلُ في الحروف وتأليفِها:
استعمله كثيرٌ من العلماء للتعبير عن الثقلِ الذي يجدونَهُ في بعض الأصوات وتأليفِها، منهم: الخليلُ [5] ، وسيبويه [6] ، والفرَّاءُ [7] ، والأخفش [8] ، الزجَّاجُ [9] ، والنحَّاسُ [10] ، والسيرافيّ [11] ، وابن خالويه [12] ، وابن جنيّ [13] ،
(1) دراسة السمع والكلام لسعد مصلوح ص 26، بتصرُّف.
(2) الموسيقى الكبير ص 212.
(3) الشفاء قسم الطبيعيات الجزء السادس الخاص بالنفس ص 74 - 75.
(4) الموسيقى الكبير ص 217.
(5) العين 8/ 341.
(6) الكتاب 3/ 349 و 4/ 285 و 4/ 167.
(7) معاني القرآن 1/ 172.
(8) معاني القرآن 2/ 582.
(9) معاني القرآن وإعرابه 3/ 375.
(10) إعراب القرآن 1/ 369.
(11) شرح كتاب سيبويه 2/ 144.
(12) الحجة ص 270.
(13) المحتسب 1/ 283.