فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 832

وأظْهَر ابن رُشْدٍ أنَّ المَقْطَعَ الصَّوتيَّ هو وحدةٌ مركَّبةٌ جديدةٌ، وليس الجامدَ والذَّائبَ، قال:"فإنَّ المَقْطَعَ ليس هو اجتماعَ الحروف التي تولَّدَ منها، بل هو شيءٌ زائدٌ على الحروف" [1] .

ومن الغريبِ أنَّه قد اطَّرَد لدى الدارسين عمومًا أنَّ العربَ لم يَعرِفوا المَقطعَ بهذا المفهوم الذي سبق، وهو حكمٌ كاد يُصبِحُ مقرَّرًا لدى كلِّ الناظرينَ في علم الأصواتِ. والسَّببُ الجوهريَّ هو الحاجزُ الاعتباطيُّ الذي قام على أيديهم بين مشاربِ التراثِ ومصادره المتنوِّعة بتنوُّعِ الاختصاصات فيه [2] .

والمقاطِعُ في اللُّغة العربيَّة عند علم الأصواتِ العربيِّ المُعاصِر تتكوَّنُ من متحرِّكٍ قصيرٍ أوطويلٍ (بَ، با) ، أو متحرِّكٍ قصيرٍ أو طويلٍ بعده ساكنٌ (لَنْ، لاَن) ، أو متحرِّكٍ قصيرٍ وساكنَين عند الوقف (يُسْرْ) ، ولا سادسَ لهذه المقاطع.

أمَّا عند المتقدِّمين فالمَقْطعُ الصَّوتيُّ يتألَّفُ من الأسباب والأوتادِ في عَروضِ الشِّعْر [3] ، وله ارتباطٌ بعلمِ الإيقاعِ النَّغميِّ في الموسيقى، ولا تَكفي هذه العُجالةُ لتفصيلِ هذا الارتباط [4] .

لكن جملةُ القَولِ أنَّ العلاقةَ بين الوزن الشعريِّ والإيقاعِ النغَميّ وثيقةٌ جدًا، قال الفارابيُّ:"فنِسْبةُ وَزْنِ القَولِ إلى الحُرُوف، كنسبةِ الإيقاع المفصَّل إلى النغَمِ، فإنَّ الإيقاعَ المُفَصَّلَ: هو نُقلةٌ منتظِمةٌ على النغَم ذوات فواصل، ووزنُ الشِّعر: نُقلةٌ منتظمةٌ على الحروف ذوات فواصل" [5] . وقال ابن فارس:"أهلُ العَروضِ مُجمِعون على أنَّه لا فَرْقَ بين صناعة العَروضِ وصناعةِِ الإيقاعِ، إلاَّ أنَّ صناعةَ الإيقاعِ تَقسِمُ الزَّمانَ بالنَّغَمِ، وصناعةَ العَروضِ تَقْسِمُ الزَّمانَ بالحروفِ المسموعةِ" [6] .

وهذا المفهومُ من أهمِّيتهِ معرفةُ سببِ إطلاقِ السُّكون على حروف المدِّ عند الخليل ومَن جاء بعده، فالخَليلُ ـ وهو واضع علم العَروض، وواضع كتابَي النَّغَم والإيقاع ـ قد عدَّ الحرفَ المتحرِّكَ المختومَ بساكنٍ يُعادِلُ في العَروض الحرفَ الممدودَ المختومَ بحرفِ مدٍّ (أَنْ = نَا، نُو، نِي) ، وهكذا عَدَّهُ شيخُ الموسيقييِّن الفارابيُّ في الإيقاعِ الموسيقيِّ حيث يقول:"وكلُّ مقطعٍ طويل، فإن قوَّتَه قوَّةُ السبَب الخفيف، فلذلك يُعَدُّ في الأسباب الخفيفة، وكلُّ ما لحِق الأسبابَ الخفيفة لحِق المقاطِع الطويلة ... وكلُّ سبَبٍ خفيفٍ، فإنَّه يَقُومُ"

(1) تفسير ما بعد الطبيعة 2/ 1016.

(2) عبد السلام المسدِّي: التفكير اللِّساني في الحضارة العربية ص 261 بتصرُّف.

(3) السَّببُ في علمِ العَروضِ: مقطعٌ مؤلَّفٌ من حرفٍ متحرِّكٍ وساكن (خفيف مثل: لَمْ، لا) ، أو حرفَين متحرِّكَين (ثقيل مثل: مِنَ) . أمَّا الوتَدُ فمقطعٌ مؤلَّفٌ من سببٍ ثقيلٍ متبوعٍ بساكنٍ أو متحرِّكٍ (وتد مجموع: أَجَلْ، أو متوالي: جَبَلُنْ، سَمَكَتُن) ، أو سببٍ خفيفٍ متبوعٍ بمتحرِّكٍ أو ساكن (وتد مفروق مثل: ظَهْرُ، أو مُفرَدٌ مثل: يُسْرْ) . (الموسيقى الكبير ص 1075) .

(4) انظر لتفصيل هذا الارتباط: الفارابيُّ في الموسيقى الكبير ص 1075 وما بعدها، ومقالةَ الدكتور علي الزبيدي بعنوان"الخليل الموسيقار"مجلَّة المورد 1395 - 1975 مج 4 عدد 4 ص 29.

(5) الموسيقى الكبير ص 1085.

(6) الصاحبي ص 467.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت