فهرس الكتاب
مقامَ نَقْرَةٍ تامَّةٍ تعقُبُها وقفةٌ، وكذلك كلُّ مَقْطَعٍ طَوِيل" [1] ."
فالعلاقةُ بين السَّاكن والمتحرِّك في علم العَروضِ علاقةٌ عروضيَّةٌ إيقاعيَّةٌ مقطعيَّةٌ بحتةٌ.
وذكَر الفارابيُّ أنَّ الأسبابَ والأوتاد في علم العَروضِ عند العرب يقَابِلُها المَقَاطِعُ والأرجُلُ عند اليونانيِّين [2] .
وأريدُ أن أنبِّه في ختام هذا المعنى إلى أنَّ المقاطعَ الصَّوتيّة والنَّبرَ والتنغيمَ ليستْ معانيَ حديثةً؛ بل هي قديمةٌ جدًّا ذكَرَها (أرسطو) في كلامه الخاصِّ عن الشِّعرِ والخطابة، وفصَّلَها أصحاب المدرسةِ العقليَّةِ من فلاسفةِ المسلمين، كالفارابيِّ وابن سينا وابن رشد، ومن أجل هذا أدعو الباحثين المعاصِرين للكشفِ عن أصول هذا المصطلح، مع الدراسةِ العميقةِ لمَقاطعِ الشِّعر العربيِّ ومُقارَنتِهَا بعلم الإيقاع الموسيقيّ، وتفقُّد نظام الأسباب والأوتاد في عَروض الشِّعر؛ لأنَّها هي المُعوَّل عليها في قياس الأصوات وكمِّيتِها، ولأنَّ الحروفَ تُكالُ بميزان العَروض، فهو عيارُ الحِسِّ، وحاكمُ القسمة والوضع، كما يقولُ ابن جنِّي [3] .
3 ـ المعنى الثالث لـ: (المَقطَع) = مخرج الحرف:
استَعمَل ابن جنيّ: (المقاطع) للتعبير عن أماكنِ قَطْعِ الصَّوت، التي عندها يتولَّدُ الصَّوتُ اللُّغويُّ، ويكون مخرج الحرف في قوله الشَّهيرِ:"اعلم أنَّ الصَّوتَ عَرَضٌ يَخْرُجُ مع النَّفَسِ مُستطيلًا مُتَّصِلًا حتى يَعْرِضَ له في الحلقِ والفمِ والشفتَين مقاطعُ تُثْنِيهِ عن امتدادِه واستطالتِه، فَيُسَمَّى المَقْطَعُ أينما عَرَضَ له حرفًا، وتَختَلِف أجراسُ الحروف بحسب اختلاف مقاطعِها ... ألا ترى أنَّكَ تبتدئ الصَّوتَ مِن أقصى حلقِكَ. ثمَّ تَبْلُغُ به أيَّ المقاطعِ شئتَ، فتَجِدُ له جَرْسًا مَّا" [4] .
وحام حول عبارتِه: القرطبيُّ [5] ، والخفاجيُّ [6] .
4 ـ المعنى الرابع لـ: (المَقطَع) = الصوتُ اللُّغويُّ:
إذا كان الصَّوتُ ينقطعُ في أماكن معيَّنةٍ تُعَدُّ مُنْقَطَعاتٍ وحدودًا لهذا الصَّوت على طولِ مجرى النُّطق، وكان معنى الحرف في اللُّغة هو الحدّ، ساغَ حينئذٍ لابنِ جنيّ أن يَستَعمِل: (المَقْطَعَ) بمعنى الحرف، في قوله الذي تقدَّم آنفًا:"اعلم أنَّ الصَّوتَ عَرَضٌ يَخْرُجُ مع النَّفَسِ مُستطيلًا مُتَّصِلًا حتى يَعْرِضَ له في الحلقِ والفمِ"
(1) الموسيقى الكبير ص 1075 - 1079.
(2) إحصاء العلوم ص 65.
(3) الخصائص 2/ 328.
(4) سر صناعة الإعراب 1/ 6.
(5) الموضح ص 71
(6) سر الفصاحة ص 12.