فهرس الكتاب

الصفحة 377 من 832

نصٍّ واضحٍ جدًّا، يُبيِّنُ الحِسَّ الصَّوتيَّ الدَّقيقَ الذي كان يَتَمَتَّعُ به هذا العالِمُ، قال:"الهَمْسُ: حِسُّ الصَّوْتِ في الفَمِ، ممّا لا إشْرَابَ لَهُ مِن صَوْتِ الصَّدْر، ولا جَهَارَةَ في المَنْطِقِ، ولكنَّه كلامٌ مَهْمُوسٌ في الفَمِ كالسِّر" [1] .

فنبَّه إلى أنَّ الصَّوتَ المهموسَ يكونُ خاليًا من صوتِ الصَّدر، وهو الأثرُ الرَّنينيِّ الذي يُحدِثُهُ اهتزازُ الوتَرَين الصَّوتيَّيْن، ويَصْحَبُ عادةً الأصواتَ المَجْهُورة. ويعنى ذلك في المُقابلِ أنَّ الأصواتَ المجهورةَ مُشْرَبةٌ بصَوتِ الصَّدْر، وأنَّه من مميِّزات هذه الأصوات.

انتقلتْ هذه المعرفةُ الدَّقيقة من الخليل إلى تلميذِه الأثير سيبويه، ففي نصٍّ نقَلَهُ السيرافيُّ عن حديث سيبويه مع الأخفش حينما سأله عن الفرقِ بين المجهور والمهموس، فأجابه سيبويه بقولِه:"وإنَّما فرَّقَ بين المجهور والمهموسِ أنَّك لا تصِلُ إلى تبيين المجهورِ إلاَّ أن تُدخِلَه الصَّوتَ الذي يَخرُجُ من الصَّدْرِ ... وأمَّا المهموسةُ فتَخرُجُ أصواتُها من مخارجِها، وذلك ممَّا يُزْجِي الصَّوتَ، ولم يُعتَمَدْ عليه فيها كاعتِمادهم في المجهورة، فأُخرِج الصَّوتُ من الفم ضعيفًا. والدَّليل على ذلك أنَّك إذا أخفيتَ هَمَسْتَ بهذه الحروف، ولا تصِلُ إلى ذلك في المجهور. فإذا قلتَ شَخْص، فإنَّ الذي أزجَى هذه الحروفَ صوتُ الفم، ولكنَّك تُتْبِعُ صوتَ الصَّدْرِ هذه الحروف بعدما يُزْجِيها صوتُ الفم؛ لِيَبْلُغَ ويُفْهَمَ بالصَّوت" [2] .

فهو وضَّح بشكلٍ أكيدٍ دَور صوتِ الصَّدر في إعطاءِ الأصوات صفةَ الوضوحِ السمعيّ، وبغيابِه تنتفي هذه الصفة، وتغيبُ معالمُ الصَّوتِ.

وباتَ من المعروف الآن عند أكثر الدارسين المعاصِرين أنَّ صوتَ الصَّدر الذي تحدَّث عنه الخليل وسيبويه يعني الأثرَ الرَّنينيَّ الذي يُحدِثُهُ اهتزازُ الأوتار الصَّوتيَّة في الأصوات المجهورة، ويُعطي الوضوحَ السَّمعيَّ لهذه الأصوات، وأوَّل من تنبَّه إلى ذلك في كلام سيبويه الدكتورُ إبراهيم أنيس، رحمه الله تعالى [3] .

وأثرُ اهتزاز الأوتار الصَّوتيَّة يُمكِنُ أن يُحَسّ بوضعِ اليدِ على العُنقِ عند نُطقِ الحروف المجهورة، وهو يَظهَرُ على هيئةِ إشارات ذبذبيَّة منتظِمَةٍ على شاشةِ المرسمِ الطيفيّ.

2 ـ الجهة الثانية: تعلُّق الجهر والهمس بحال التحرُّك:

عرَّف سيبويه المجهورَ والمهموسَ بقوله:"فالمجهورةُ: حرفٌ أُشْبِعَ الاعتِمادُ في مَوِضِعِه، ومَنَعَ النَّفَسَ أن يَجْرِيَ معهُ حتى يَنقَضِيَ الاعتِمَادُ علَيه ويَجريَ الصَّوتُ. فهذِهِ حالُ المَجْهُورةِ في الحلْق والفمِ، إلاَّ أنَّ النُّونَ"

(1) العين 4/ 10.

(2) الدراسات الصوتية عند علماء التجويد ص 130 نقلًا عن شرح كتاب سيبويه للسيرافيّ.

(3) الأصوات اللُّغوية ص 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت