ضيقٍ، ثم إلى سعةٍ، قليلًا قليلًا" [1] ."
ويُمثِّلُ شكل رقم (54) الأوتار الصوتية في الجهر والهمس في أكثر الأصوات.
وإذا كنَّا قد عرَفنا أنَّ وظيفةَ الأوتار الصَّوتيَّة ذكَرَها المتقدّمون، في قول ابن سينا:"وخُلِق لأجل التصويت الشيءُ الذي يسمَّى: (لسان المزمار) ، يتضايَق عنده طرفُ القصَبة ثمَّ يتَّسع عند الحنجرة، فيبتدئ من سَعةٍ إلى ضِيق، ثم إلى فضاءٍ واسع، كما في المزمار، فلا بدَّ للصَّوت من تضييق المَحْبس. وهذا الجِرمُ الشبيهُ بلسان المزمار من شأنه أن ينضمَّ وينفتحَ؛ ليكون بذلك قرعُ الصَّوت" [2] .
وقول ابن مَلْكا البغداديُّ عن الحَنجرة والأوتار الصوتيَّة:"وهي آلةُ التصويت كرأس المزمار، ولها لسانٌ كلسان المِزمار؛ ليَقْتَطِع الهواءَ في التصويت" [3] .
وعرَفنا أيضًا أنَّ تفسير نظريَّة اهتزاز الأوتار الصَّوتيَّة حديثًا يقوم في أحد أجزائه على ذات التشبيه الذي ذكره المتقدِّمون، أعني التشبيهَ بلسان الآلات الموسيقيَّة الهوائيَّة (كالمزمار، والناي) . وتندرج معظمُ الأبحاث والتجارب والملاحظات الاختبارية على نطاقِه [4] .
وأنَّهم أدرَكوا كثيرًا من الجوانبِ الفيزيائيَّةِ للصَّوت كما قدَّمتُ في الفصل الثاني، فلا أدري ما الذي منعَهم أن لا يَخْطُوا الخطوة الكبرى فيذكروا شيئًا عن العلَّة في الوضوحِ السَّمعيِّ لبعض الأصوات دون البعض الآخَر؟!
سؤالٌ ما زلتُ لا أجِدُ له جوابًا إلى الآن، غير أنِّي أخَمِّنُ أنَّ نظريَّتهم العامَّة في الحدَّة والثِّقل في الأصوات قد حلَّتْ لهم هذا الأمر، والله أعلم.
8 ـ الجهة الثامنة: الخلاف بين المتقدِّمين والمعاصرين في الجهر والهمس:
إنّ سببَ خلاف المعاصرين مع المتقدِّمين من أئمَّةِ العربية والتجويد في الجهر والهمس يَكْمُنُ في الأخذِ بشيءٍ من كلام المتقدِّمين وإهمال شيءٍ آخَر، فممَّا مضى نُدركُ أنَّ المتقدِّمين يَعنُون بالصَّوت المهموس: الصَّوتَ الذي يُصاحبه هواءُ النَّفَس ويكون خاليًا من صَوتِ الصَّدر (الأثر الرنينيّ لاهتزاز الأوتار الصَّوتيَّة) ، وبالصَّوت المجهور: الصَّوتَ الذي يَجري بصوت الصَّدر، ولا يُصاحبُهُ هواءُ النفس.
مفهومُ المستشرقين والدارسين المعاصرين من العرب لمصطلح: (الهمس) يعني عدم اهتزاز الأوتار الصَّوتيَّة، سواء جَرى هواءُ النفسِ مع الحرفِ أم لم يَجْرِ، وهذا المفهومُ يتَحقَّقُ في نوعين من أصوات
(1) كامل الصناعة الطبية 1/ 120.
(2) القانون في الطب 2/ 1121 - 1122.
(3) المعتبر في الحكمة 2/ 264.
(4) انظر: علم الأصوات العام لبسام بركة هامش ص 63 - 64.