2 ـ المعنى الثاني لـ: (الإدغام) = إخفاء الحركة:
استعمله من العلماء: سيبويه، قال:"وممَّا قالت العربُ في إدغامِ الهاءِ في الحاءِ قوله:"
كأنَّها بعد كَلالِ الزَّاجِرِ ... ومَسِحِّي مرُّ عُقابٍ كاسِرِ
يريدون: وَمَسحِهِ" [1] ."
قال الأستاذ عبد السلام هارون ـ رحمه الله تعالى ـ في هامش النصِّ:"والشاهدُ فيه إخفاءُ الهاءِ في: (ومسحه) ، وسيبويه يُسَمِّيهِ إدغامًا، وهو يعني الإخفاءَ؛ لأن الإخفاءَ عندَهُ ضرْبٌ من الإدغام، وإلاَّ فإنَّ الإدغامَ لا يَجوزُ في البيتِ؛ لئلاَّ يَنكَسِرَ البيتُ"اهـ
أظنُّ أنَّ الإخفاء هنا هو نوعٌ من اختلاس الحركة، وقد سمَّى الفراء هذا الاختلاس في أحد نصوصه إدغامًا خفيًّا [2] .
واعترض الأخفشُ والمبرِّدُ على تعبيرِ سيبويه عن إخفاءِ الهاءِ بالإدغام. ودافَعَ عنه ابنُ ولاَّد، وأبو عليّ الفارسيّ، والرمانيُّ [3] ، وابن جنيّ [4] .
والمشكِلُ في النصِّ هو كيفيَّة النُّطق بهذا الإخفاء: هل هو اختلاسٌ لحركةِ الهاءِ؟ أم النُّطق بشِبهِ همزةٍ مسهلةٍ مكسورةٍ؟ أم بياءٍ مُبْدَلةٍ من الهاءِ؟ وعلى كلٍّ فالسَّبب من إيراد هذا الشاهد عند سيبويه هو امتناعُ إدغام حرفٍ حلقيٍّ في حرفٍ أعمَقَ منه في المخرج، وجواز ذلك في حرفٍ من مخرجه أو فيما بعدَهُ باتجاه الفم.
3 ـ المعنى الثالث لـ: (الإدغام) = إخفاء الميم عند الباء:
استعمله من العلماء: يحيى اليزيديُّ، وهو راوي أبي عمرو بن العلاء في القراءة، حيث سمَّى إخفاءَ الميم ـ عند من أسكنَها ـ عند الباءِ في نحو قوله تعالى: {بِأَعْلَمْ بِالشَّاكِرِينَ} إدغامًا [5] .
وتابعه: الوليدُ بنُ حسَّان [6] ـ ممَّن رَوى عن يعقوب الحضرميّ ـ وأبو الفضل الخزاعيُّ [7] .
قال الدانيُّ موضِّحًا مجازَ هذا اللَّفظ:"وتَرْجَمَ اليزيديُّ وغيرُه من الرُّواةِ والمصنِّفِين عن هذه الميمِ بالإدغام"
(1) الكتاب 4/ 450.
(2) معاني القرآن 1/ 18.
(3) شرح كتاب سيبويه ل 198/ أ.
(4) انظر: الانتصار لسيبويه على المبرد ص 268، والحجة لأبي علي الفارسي 2/ 396، واللسان 5/ 141.
(5) جامع البيان 2/ 424. وانظر: الإدغام الكبير ص 81.
(6) نقل ذلك عنه المالكيُّ في الروضة 1/ 374.
(7) المنتهى ص 169.