على سَبيل المجازِ وطريقِ الإتْبَاعِ، لا على الحقيقة إذ كانتْ لا تُقْلَبُ باءً بإجماعٍ مِن أهلِ الأداءِ، وإنما تَسْقُطُ حركتُها تخفيفًا، فتَخفى بذلك لا غير، وذلك إخفاءٌ للحرفِ لا إخفاء للحركة. فأمَّا إدغامُها أو قَلْبُها فغيرُ جائزٍ؛ للغُنَّة التي فيها إذ كان ذلك يُذهِبُها فتَخْتَلّ لأجْلِهِ" [1] ."
4 ـ المعنى الرابع لـ: (الإدغام) = تسهيل الهمزة بين بين
لمَّا كان الإدغامُ معناه عدمُ الظُّهورِ ساغَ لبعضِ العلماء أن يُعبِّر به عن تسهيل الهمزة بينَ بين، استَعمَل ذلك من العلماء: داودُ بن أبي طيبة، وأبو الأزهر عبد الصَّمد بن عبد الرَّحمن، وأبو يعقوب الأزرق في روايتهم عن ورشٍ حيث عبَّروا بلفظِ (الإدغام) عن تسهيل الهمزة الثانية في نحو: {هَؤُلاءِ إِن كُنتُمْ} و {شُهَدَاءَ إِذْ} ، قالوا:"وإذا كانت الهمزةُ الأولى آخرَ حرفٍ والثانيةُ أوَّلَ حرفٍ بيَّنَ الأولى وأدغَمَ الثانية"اهـ.
قال الدانيُّ:"يريدون بإدغامِها تَلْيينَها وتقريبَها من الحرفِ الذي منه حركتُها" [2] .
5 ـ المعنى الخامس لـ: (الإدغام) = حذف الهمزة
لمَّا كان الإدغامُ معناه عدمُ الظُّهورِ ساغَ لبعضِ العلماء أن يُعبِّر به عن حذفِ الهمزةِ من اللَّفظ، استَعمَل ذلك من العلماء أحمدُ بنُ جُبيرٍ الأنطاكيُّ حيث عبَّرَ بلفظ: (الإدغام) عن حذف الهمزة ونقلِ حركتِها إلى اللاَّم الساكنةِ قبلها في: {عَادًانِ الأُولَى} لتُصبِح في النُّطق (عَادَنِ لُولَى) ، إذا كان مذهبُه القراءة بلا إدغام، قال ابن جبُيرٍ في مختصره في روايته مذهبَ ابن العلاء:"أنَّه أَدْغَمَ همزة فاء الفِعل".
وكان استعمالُ هذا اللَّفظ في هذا الموضعِ غريبًا على بعضِ القرَّاء حتى قال عنه أبو طاهر بنُ أبي هاشم:"وهذا مِمَّا لا يُعقَل".
قال الدانيُّ معلِّقًا:"قولُ ابنِ جبيرٍ معقولٌ مفهومٌ، وذلك أنَّهُ جَعَلَ الإدغامَ عبارةٌ عن تَسهيلِ الهمزةِ، وإلقاءِ حركتِها على اللاَّمِ الساكنةِ قبلَها في ذلك، كما جعَلَه أصحابُ ورشٍ عبارةً عن تَلْيِينِها وجَعْلِها بينَ بينَ في نحو: {أَإِلَهٌ} و {أَؤُنَبِّئُكُم} وشِبْهِه، فقالوا: (كَما تُلَيَّنُ الأولى وتُدْغَمُ الثانيةُ) . وذلك من حيث عُدِمَتْ مِن اللَّفْظِ في حالِ الإلقاءِ وذَهَبَ مُعْظَمُ صَوْتِها في حال التليينِ كعَدَمِ الحرفِ المُدْغَمِ وذَهَابِه إذا أُدْغِم، أو ضَعُفَ الصَّوتُ بحرَكَتِهِ، فلمَّا اشتَرَكَا في الذَّهَابِ وعَدَمِ الظُّهورِ عُبِّرَ عنهُما بعِبَارةٍ واحدةٍ على مذاهبِ العرَبِ في تسميةِ الشَّيءِ بِاسْمِ الشيءِ إذا أَشْبَهَهُ في بعضِ معانيهِ، وذلك مجازٌ واتِّساعٌ" [3] .
وهذا القول من أبي طاهر بن أبي هاشم يدلُّك على فقدان شرط القَصْد لهذا المصطلح ـ الذي تحدَّثتُ عنه في أوَّل الدِّراسة ـ وهو الممارسةُ الفعليَّة لهذا اللَّفظ بهذا المعنى، أو هو من قبِيل المواضعة الفرديَّة التي
(1) جامع البيان 2/ 424. وانظر إدغام القراء للسيرافي ص 5 - 6.
(2) نقل الدانيُّ هذا التعبير عنهم والتعليق عليه في المطبوع من جامع البيان 2/ 515. وانظر: 2/ 496.
(3) نقل الدانيُّ هذا التعبير عنه والتعليق عليه في المخطوط من جامع البيان ل 230/ ب - 231/ أ.