فهرس الكتاب

الصفحة 569 من 832

ومكيّ [1] ، وأبو العزِّ القلانسيّ [2] .

وهذا الإخفاء هو الحُكمُ المعروف عند أكثر الناس إلى زمننا الحاضر، وهو أحدُ أحكام النُّون الساكنة والتنوين، ويَقضي بأن تَخفى ذاتُ النُّون، وهو مخرجها من الفم، وتبقى غُنَّتُها، أي مخرجها من الأنف، إذا جاء بعدها أحد حروف اللِّسان الخمسة عشر، وهي: القاف والكاف، والجيم والشين والضاد، والطاء والدال والتاء، والصاد والسين والزاي، والظاء والذال والثاء، والفاء.

وكان الرمانيُّ قد شرح كلامَ سيبويه عن هذه النُّون [3] ، ورَفَعَ إشكال وضع اللِّسان عند هذا الإخفاء؛ حيث بيَّن أنَّه يكون في الحرفِ المُخفى عنده، وشبَّه الإخفاء بالإدغام من حيث رفع اللِّسان عن مخرج المدغم فيه والمخفى عنده رفعةً واحدة؛ لأن المقصود من الإدغام والإخفاء واحد، وهو طَلَبُ التخفيف، قال الرمَّانيُّ عن النُّونِ المُخْفَاة:"ووجَدُوا لها مخرجًا من الخياشيمِ يَخِفُّ إخراجُها منه على نحو الخِفَّةِ بالإدغام؛ لأنَّ اللِّسان يَرتفِعُ رفعةً واحدةً للحرفِ في المدغَم وفي النُّون التي تَخرجُ من الخياشيمِ؛ لأنَّه ليس له عملٌ إلا في الحرفِ الذي بعدَها، فالإخفاءُ فيها كالإدغام في رفعِ اللِّسان مرَّةً واحدةً" [4] .

ومعنى: (الارتفاع عن الحرفين) : تعبيرٌ عن انقلاعِ عُضْوَي النُّطق عن مخرجِ الحرف المدغَم فيه ومخرج المُخْفَى فيه انقلاعًا واحدًا بدلًا من انقلاعَين إذا لم يُدغَما أو يُخْفَيا.

يعني إذا أدغمتَ النُّون عند الفاء فأنت تضعُ عضوي النُّطق، وهما في هذه الحالة أطراف الأسنان العليا مع باطن الشفة السُّفلى، أي في مخرج الفاء، ثمَّ تُجري الغنَّة، ويَصِحُّ عندئذ أن تقول إنَّ للنُّون خمسة عشر مخرجًا عند الإخفاء.

وكان مكيّ أوَّل مَن فرَّق بين الإدغام والإخفاء، فقال:"والإخفاءُ إنَّما يخفى الحرفُ في نَفْسِهِ لا في غيرِه، والإدغام إنَّما هو أن يُدغَمَ الحرفُ في غيرِه لا في نَفْسِه، فتقول: خَفِيَت النُّون عند السِّين، وأخفَيتُ النُّونَ عند السِّين. ولا تقول: خَفِيت في السِّين ولا أخفَيتُها في السِّين. وتقولُ: أدغمتُ النُّونَ في الواو، ولا تقولُ: أدغَمتُها عند الواو" [5] .

وأشار الدانيُّ إلى أنّ هناك تفاوتًا في إخفاء النُّون عند هذه الحروف، قال عن النُّون الساكنة

(1) التبصرة ص 118.

(2) الإرشاد ص 165.

(3) الكتاب 4/ 454.

(4) شرح كتاب سيبويه ل 199/ أ.

(5) الرعاية ص 268.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت