اللِّسان، واتفاقِ النُّون في الشدّة مع الرَّاء، ولا أدري لماذا أخرج اللاَّمَ من هذا الاتِّفاق؛ إذ كلّ هذه الثلاثة شديدة في الأصل عنده كما تقدَّم من قبل؟
وعلَّل إدغامها في الواو في أنَّها أخَذت حُكْمَ الميمِ بالمُجَاوَرَة في أنَّ النون أُدغِمت فيها، وللِينها ومدِّها.
وفي الياء لمؤاخاتها الواو في اللِّين وإدغام الواو والياء في بعضهما، ولقُرب مخرج الياء من الرَّاء واللاَّم، وعلَّل لهذا القرب بانقلاب حرفَي الراء واللاَّم إلى الياء في كلام الألْثَغِ بهما. ولا يكاد يخرجُ تعليلُ مَن جاء بعده في الإدغامِ في هذه الحروف عن عِلَلِه.
وجرت القرَّاء في الإدغامِ بغُنَّةٍ وبلا غُنَّةٍ جَرْيَ العربِ في كلامِها، قال الدانيُّ:"واختلفَ القرَّاءُ بعْدَ ذلك في بيان صوتِ النُّون والتنوين ـ المركَّبِ في جسمها وهو الغُنَّة مع الإدغام عند اللاَّمِ والراء والواو والياء ـ وفي إدغامه. ولم يَختَلِفُوا في بيانِهِ عند مِثْلِها وعند الميم، مع الإدغام التامِّ؛ لكَونِه من خِلْقَةِ المُدْغَم والمُدغَم فيه في ذلك" [1] .
أمَّا إدغام النُّون مع الميم، فلم يُفرِّق سيبويه بين غنَّة النُّون والميم، قال سيبويه:"وتُدغَمُ النُّونُ مع الميم؛ لأنَّ صوتَهما واحدٌ، وهما مجهوران قد خَالَفا سائرَ الحروفِ التي في الصَّوت، حتى إنك تَسمَعُ النُّونَ كالميمِ والميمَ كالنُّونِ حتى تَتَبَيَّنَ، فصارَتا بمنزلةِ اللاَّمِ والرَّاءِ في القُرْبِ وإن كان المخرجان متباعِدَين، إلا أنهما اشتَبَها لخروجِهِما جميعًا في الخياشيم" [2] .
وعدَّ الكسائيُّ إدغام النُّون في الميم من قبيل الإدغام الكامل، أي أنَّه يعتبر أنَّ أثر الغُنَّة الباقي هو للميم [3] .
ونشأ خلافٌ بين القرَّاء بعد ذلك في نسبة هذا الأثر الباقي للميم أو النُّون، وقد لخَّص الدانيُّ هذه المذاهب بقولِه:"ومذهب أبي الحسن بن كيسان أنَّ الغُنَّة الظاهرةَ مع الإدغام هي غُنَّةُ النُّونِ والتنوين، لا غنَّة الميم؛ لأنَّه إنَّما أجاز إدغامها فيها لأجلِها، فلم يكن ليذهب ما أوجَب الإدغام. وتابعَه ابن مجاهدٍ على ذلك، فقال: ... لأنَّ الميم لها غُنَّةٌ من الأنف، ومن أجل الغُنَّة أُدغِمت النُّونُ في الميم، ولأنَّها أختها، فلا يَقْدِر أحدٌ أن يأتي بـ: (عمَّن) بغير غُنَّةٍ؛ لعلَّة غنة الميم [4] ."
وذهب غيرهما إلى أنَّ تلك الغُنَّةَ غُنَّةُ الميم، لا غنَّة النُّون والتنوين؛ لانقلابهما إلى لفظِها، وبذلك أقول" [5] ."
(1) جامع البيان 2/ 718.
(2) الكتاب 4/ 452.
(3) انظر تعبير الكسائيّ ونصَّ الدانيّ في جامع البيان 2/ 726. وانظر ألفاظ الإدغام عند الكسائي في الآتي قريبًا.
(4) انظر النصّ في السبعة لابن مجاهد بكلام أوضح من كلام الدانيّ ص 126.
(5) جامع البيان 2/ 732.