فهرس الكتاب
4 ـ المعنى الرابع لـ: (الإيماء) = ضمُّ الشفتين بعد سكون الحرف في وسط الكلمة وفي الوقف
استَعملَ أبو جعفر النحَّاس: (الإيماء) للتعبير عن إشمام الحرف الساكن الفتحةَ بعد إدغامه في: {أتُحَاجُّونَّا} في قراءة ابن مُحَيصِن [1] .
ولا أدري كيف يتأتَّى ذلك في الفتحة؟!
واستَعمل الدانيُّ: (الإيماء بالشفتَين) في التنبيهِ على إظهار الساكن قبل الإشارة بالشفتَين إلى الحركة المضمومة، في نحو: {تَأْمَنَّا} ، ووقفًا في نحو: {نَسْتَعِينُ} ، قال:"وأمَّا المُشَمُّ من الحروف في حال الوصل أو الوقف، فحقُّه أن يُخْلَصَ سكُون الحرف ثمَّ يُومَى بالعُضْو ـ وهما الشفتان ـ إلى حركتِه لِيَدُلَّ بذلك عليها من غير صوتٍ خارجٍ إلى اللَّفظ، وإنَّما هو تهيئةٌ بالعُضو لا غير، ليُعلَم بالتهيئة أنَّه يرادُ المُهَيَّأُ له، ولا يَعرِف ذلك الأعمى، لأنه لرؤية العَين. ويَختَصُّ به من الحركاتِ الرَّفعُ والضمُّ، لا غير، لأنهما من الواو، والواو تَخرُج من الشفتَين، وفيهما تُعالَج" [2] .
وبيَّن الدانيُّ أنَّ للقرَّاء في كلمة: {تَأْمَنَّا} مذهبان: أحدهما ضمّ الشفتين بعد النُّون الأولى الساكنة المُدغمة، والثاني فك الإدغام يعني نونان متحرِّكتان لكن يخفضُ الصوتُ بالنُّون الأولى ويتعجَّل بها، وهو الاختلاس، قال الدانيُّ:"وقد اختَلَف علماؤنا من القراءِ والنَّحويِّين في كيفيَّة الإشارةِ إلى حركة المُدغَم، فقال بعضُهم: يكون إيماءً إليها بالشفتَين من غير إحداث شيءٍ في جسم الحرفِ، فجعَلوا ذلك إدغامًا صحيحًا؛ لأنَّ الإيماء بالعُضوِ لا يكونُ إلا بعد تسكين الحرف رأسًا. وقال آخَرون: حقيقة الإشارة في ذلك أن تكون بالحركة إلى الحرفِ لا بالعُضو إليها؛ لأنَّ ذلك آكَدُ في البيان عن كيفيَّتِها، فجعَلُوا ذلك إخفاءً لا إدغامًا صحيحًا ..." [3] .
وهذا النصُّ واضحٌ جدًا في وصفِ كيفيَّة أداء الإشمام في مذهبِ مَن أَدغم؛ إذ اشتَرَط السُّكونَ للحرف ثمَّ يتلوه تحريك الشفتَين بالضمِّ، لا ما يَفعلُه بعضُ القرَّاء اليوم مِن ضمِّ الشفتَين أثناء سكون الحرف، خاصَّة الساكن في وسط الكلمة، كالنُّون الأولى المُدغَمة في نحو الكلمة القرآنيَّة: {تَأْمَنَّا} ، ودال: {لَدْنِهِ} في رواية شعبة عن عاصم.
قال الدانيُّ عن هذه الأخيرة:"والإشمامُ ههنا [الكهف] وفي المَوضعِ الذي في النِّساء، والموضعَين اللَّذين في هود والنَّمْل على رواية الكسائيِّ عن أبي بكرٍ يكونُ إيماءً بالشفتَين لا غير؛ لأنَّ الدالَ ساكنةٌ خالِصةُ السُّكونِ، بدليل كسرِ النُّون بعدها للسَّاكِنَين، فلا يَقْرَعُ لذلك السَّمعَ، ولا يُدرِكُ معرفتَه إلاَّ البصيرُ دون"
(1) إعراب القرآن 1/ 267.
(2) التحديد ص 96، وانظر ص 170.
(3) الإدغام الكبير ص 84.