الضَّغط:"والمُخَفَّفَة حيثُ وَقَعَتْ بِوَزْنِها محقَّقَةً، إلا أنَّ النَّبْرَ بها أقلُّ؛ لأنك تُزِيحُها عن مخرجِ الهمزةِ المحقَّقَةِ" [1] .
وقال مكيّ:"وإذا تكرَّرت الياءُ، وسكنَ ما قبل الأولى، والثانية ساكنة، وجَب بيانُهما والتحفُّظُ بإظهارهما برِفقٍ من غير تفكيكٍ ولا نَبرٍ، وذلك نحو قوله: {إنَّ الله لا يَستحي أن يَضْرِبَ مَثَلًا} ... وكذلك إن تحرَّكت الثانية وتحرَّك ما قبلهما، نحو: {مَنْ حَيَ} في قراءة مَن أظهرهما. هذا كلُّه يجب التحفُّظُ ببَيانِه وإعطائه من الحركة حقَّه من غير تَعَسُّفٍ ولا نَبرٍ ... الخ" [2] .
فأنت ترى أنَّ مكيًّا يلتَقي مع الصوتيِّين المعاصرين في مصطلح: (النَّبر) الذي هو ترجمةٌ للكلمة الانجليزيَّة (Stress) ، ويُطلَقُ على درجةِ قوَّة النَّفَس التي يُنطَقُ بها صوتٌ أو مقْطَع، ويُقرِّرون أنَّهُ ليس كلُّ صوتٍ أو مَقطع يُنطَقُ بنفسِ الدَّرجة، فهناك من الأصوات والمقاطع ما يُنطَقُ بارتكازٍ أكبر، ويتضمَّنُ طاقةً أعظمَ نسبيًا، وبالتالي يتطلَّبُ من أعضاء النُّطق الخاصَّة جهدًا أعنفَ في النُّطق بالإضافة إلى زيادة قوَّة النَّفَس. والصَّوتُ أو المقطَعُ الذي يُنطَقُ بارتكازٍ أكبرَ مِن سواه في كلمةٍ من الكلمات يَبْرُزُ بُرُوزًا موضوعيًا من سائر الأصوات أو المقاطع التي يُجاوِرُها [3] .
3 ـ المصطلح الثالث للعيوب المنهيّ عنها من التطريب واستعمال الألحان: (التطريب)
يدلُّ أصله اللُّغويُّ على خِفَّةٍ تُصيبُ الرَّجُل من شدَّةِ سرورٍ أو غيره. وقالوا: طرَّبَ في صوتِه، إذا مدَّهُ ورجَّعَه [4] . قال الخليل:"الطَّرَب: الشَّوْق. والطَّرَب: ذَهاب الحُزن وحُلول الفَرَح. طَرِب يَطْرَبُ طَرَبًا فهو طَرِبٌ. وطَرَّب في غِنائه تطريبًا إذا رَجَّع صَوْتَهُ، وأَطْرَبَني هذا الشَّيءُ" [5] . والترجيعُ في أحد معانيه هو التلحينُ.
قديمٌ استعمله عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وأنسُ بن مالكٍ رضي الله عنه، فعَنِ ابن عباسٍ قال:"كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مؤذِّنٌ يُطَرِّب، فقال رسول الله: (إنَّ الأذانَ سَهْلٌ سَمْحٌ، فإذا كان أذانُكَ سَمْحًا سهْلًا وإلاَّ فلا تُؤذِّن" [6] .
ورُوِي عن زيادٍ النُّمَيريِّ أنَّه جاء مع القرَّاء إلى أنس بنِ مالكٍ - رضي الله عنه - فقيل له: اقرأ، فرَفَع صوتَه وطرَّبَ، وكان رفيعَ الصَّوتِ، فكشَف أنسٌ عن وجهه ـ وكان على وجهه خرقةٌ سوداء ـ فقال: يا هذا، ما هكذا كانوا
(1) المقتضب 1/ 293.
(2) الرعاية ص 180 - 181.
(3) انظر: علم اللغة لمحمود سعران ص 189.
(4) مقاييس اللغة ص 612 (ط ر ب) والمصباح المنير ص 370.
(5) العين 7/ 420.
(6) نقل هذا الخبر القرطبيُّ في الجامع لأحكام القرآن 1/ 15. وعلَّق عليه بقوله: فإذا كان النبيُّ صلى الله عليه وسلَّم قد مَنَع ذلك في الأذان فأحرى ألاَّ يُجوّزه في القرآن الذي حَفِظَه الرحمن اهـ.