وفي مثلِ ذلك تحدَّث الأزهريُّ عن الفرق بين العربيِّ المطبوعِ والحضَرِيِّ المتكلِّف [1] .
ويأتي هذا المصطلحُ في مرحلة سابقةٍ على مصطلحِ: (علمِ الأصواتِ والحروف) الذي كان ظهورُه في القرن الرَّابعِ الهجريّ، ومصطلح (علم التجويدِ) الذي كان أوَّلُ ظهورِه كمصطلحٍ علميٍّ في القرنِ الخامسِ الهجريّ [2] .
وما قاله الجاحظُ وابن قتيبة يَكشِفُ عن العلاقةِ بين البلاغيِّين وما قاله أهلُ التجويد في كتبِهم؛ حيث تعلَّقا بالاحترازات النُّطقيَّة وتصحيح النُّطق.
وقال مكيُّ عن الضَّاد:"فمتى لم يتكلَّف القارئُ إخراجَها على حقِّها أتى بغَيرِ لفظِها، وأخلَّ بقراءتِهِ. ومَن تكَلَّفَ ذلك وتَمادَى عليه صارَ له التجويدُ بلَفْظِها عادةً وطَبعًا وسَجِيَّةً" [3] .
واستَعمله القرطبيُّ، قال:"وأشبِع بيان حركةِ الواوَين بتكَلُّفٍ وتثبُّتٍ في مثل قوله تعالى: {وَوُضِع الكتابُ} ، {وَوَرثَ سُلَيْمَانُ} ، وما أشبه ذلك" [4] .
وذكَر أبو العلاء الهمَذانيُّ أنَّ الضَّادَ يُتكلَّفُ إخراجُها من أحدِ الشِّدْقَين، وهو عَسِرُ المخرج" [5] ."
2 ـ المعنى الثاني لـ: (التكلُّف) = الجُهدُ العضليُّ الشاقُّ المبذولُ على أعضاء النُّطق:
ذكَر ابنُ السرَّاج انَّ قراءةَ: {الصِّر 1 طَ} بالصَّاد أخفُّ من إشمام الصاد زايًا، قال:"والاختيارُ عندي الصَّادُ؛ للخِفَّةِ والحُسنِ في السَّمعِ، وهو غيرُ مُلبِسٍ ... وأمَّا القراءةُ بالمضارعَة التي بين الزَّاي والصاد، فعدَلْتُ عن القراءةِ بها؛ لأنَّه تَكَلُّفُ حرفٍ بين حرفَين، وذاك أصعبُ على اللِّسان" [6] .
واستعمله أبو بكر ابن الأنباريّ [7] .
ووصفَ ابن جنيّ الهمزة بأنَّها لمَّا سَفَلَتْ في الحلق، وبَعُدَتْ عن الحروف كان النُّطقُ بها تكلُّفًا، أي شاقًّا [8] .
وقال مكيُّ عن الصَّاد: إنَّ اللَّفظَ بها أقوى وأكثرُ تَكلُّفًا على اللِّسانِ من السِّين لِما فيها من الإطباقِ
(1) انظر: معاني القراءات 1/ 136.
(2) انظر: الدراسات الصَّوتية عند علماء التجويد ص 13 وما بعدها.
(3) الرعاية ص 185 وانظر: ص 220.
(4) الموضح ص 200.
(5) التمهيد ص 277.
(6) الحجة لأبي علي الفارسيّ 1/ 50 - 51.
(7) إيضاح الوقف والابتدا 1/ 236.
(8) سر صناعة الإعراب 1/ 71.