والوطء، هذا أكثر الفقهاء على أنه لا يعذر فيها حتى ولو كان ناسيا، أو جاهلا ويعللون بأنها إتلاف، والإتلاف يستوي عمده وسهوه، ومعنى كونها إتلاف أنه أتلف هذه الأظفار بدل ما كانت موجودة، أو أتلف هذا الشعر بدل ما كان موجودا، أو أتلف هذا الطيب مثلا، أو أتلف هذا الصيد الذي صاده، فيقولون: الإتلاف يستوي عمده وسهوه، وأما ما ليس بإتلاف، فمثل تغطية الرأس ليس فيه إتلاف، وكذلك لبس المخيط ليس فيه إتلاف، وعقد النكاح ليس فيه إتلاف.
والقول الثاني: أن الجميع ليس فيها فدية على الجاهل والناسي، لا فرق بين الإتلاف وغيره وذلك؛ لأن الناسي معذور في جميع الأحكام التي يفعلها يسقط عنه الإثم، قال الله -تعالى-: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} وقال تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} وفي الحديث الذي في صحيح مسلم"لما نزلت هذه الآية: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قال الله: قد فعلت".
وكذلك الحديث المشهور"إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"فيدخل في ذلك محظورات الإحرام، إذا أخطأ فيها، ولو كان فيها إتلاف، فالصحيح أنه لا جزاء عليه ولا فدية عليه في محظورات الإحرام، كلها إذا فعلها ناسيا إلا الجماع، فإن الجماع غالبا لا يكون، أو لا يتصور في النسيان، وهو محرم، ويكون بين طرفين، وقد تطول مدته؛ فلذلك أفتوا بأن فيه الفدية وفيه ما فيه عمدا، أو سهوا.
أما الصيد فيقولون: إن الصحابة قضوا فيه ولم يستفصلوا هل أنت عامد أم لا؟ نقول: الآية صريحة في اشتراط الخطأ والعفو عن العمد قال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} شرط الله العمد"متعمدا"، والوصف بالعمد، يدل على رفع الخطأ، أو رفع الإثم، أو رفع الجزاء عن الناسي وعن المخطئ، وأن الجزاء إنما يلزم إن كان متعمدا، فكذلك أيضا إذا قص من شعره ناسيا، أو خاطئا، أو من أظافره أو تطييب ناسيا، أو مخطئا؛ فإنه معذور، ولا فدية عليه، ولا إثم.
قد عرفنا أن هذه المحظورات مُنِعَ منها المحرم؛ لأنها ترفه، والمحرم يتصف بالشعث وبالغبرة، والمحرم يبتعد عن أسباب الترفه والتنعم، المحرم يكون يتصف أن يكون أشعث رأسه مغبرا رأسه؛ لأنه ورد أن الله -تعالى- يباهي بالحجاج ملائكته فيقول:"انظروا إلى عبادي أتوني شُعْثًا غبرا ضاحين ..".
أي قد اغبرَّتْ أبدانهم من طوال البعد عن الترفه والتنعم، وقد شعثت رءوسهم وهم ضاحون، يعني: بارزون في الشمس، فهذا هو السبب في كون المحرم يبتعد عن أسباب الترفه عن الطيب؛ لأنه ترفه، وكذلك عن لبس المخيط، واللباس المعتاد، وكذلك عن تغطية الرأس، وكذلك عن أخذ الشعر، أو أخذ الأظفار، أو ما أشبه ذلك؛ لأجل أن يتصف بهذا الوصف الذي يدل على خشوعه، وعلى خضوعه، فإذا فعل شيئا من ذلك من غير عمد، فإنه معذور، فلا إثم، ولا فدية. هذا هو الصحيح.
أما إذا كان متعمدا فعليه الفدية، ذكر الفقهاء أنه إذا أخذ شعرتين، أو شعرتين ونصف، أو ظفرين فليس عليه إلا الإطعام في كل شعرة طعام مسكين سواء أخذها نتفا، أو قصا، أو حلقا، وسواء كانت من شعر رأسه، أو لحيته، أو شاربه، أو شيء من أعضاء بدنه، النص ما ورد إلا في الرأس قال تعالى: {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} وقال تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} .