فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 722

ثم إنهم قسَّموها إلى أربعة أقسام على ترتيب أركان الإسلام، فبدءوا بالصلاة، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج، هذا هو ترتيب أكثرهم، وأضاف كثير منهم الجهاد، وجعلوه ركنا سادسا كما فعل ابن قدامة في"المقنع"، ومن تبعه من بعده، فرتبوها على ترتيب هذه أركان الإسلام، بدءوا بالصلاة إلا أنهم قدموا شرطها عليها، وهو الطهارة؛ لأن الشرط يتقدم المشروط، وانتهوا من الصلاة وما يتعلق بها، ألحقوا بها أيضا الجنائز؛ لأن أهم ما يُعمل في الجنائز الصلاة على الميت، فألحقوها بالصلاة.

وبعد ذلك ذكروا الزكاة؛ لأنها قرينة الصلاة بكتاب الله، وبعد ذلك ذكروا الصيام، فإنه الذي جاء في الأركان بعد الصلاة، والزكاة؛ ولأنه فرض عين على مَن كُلِّف، وبعد الانتهاء منه ذكروا كتاب الحج؛ وذلك لأنه من أركان الإسلام، وأخروه؛ لأنه لا يجب إلا في العمر مرة واحدة، ولا يجب إلا على المستطيع، وبعد ذلك ذكروا الجهاد؛ لأن الصحيح أنه من فروض الكفاية، وإن كان قد يصل إلى فرض العين في بعض الأحوال، ولما انتهوا من كتاب العبادات وقسمها بدءوا في المعاملات؛ وذلك لأنه أهم شيء يحتاجه الإنسان في حياته تحصيل القوت والغذاء الذي به قوام حياته، ومعلوم أن الإنسان لا بد له من غذاء يتقوَّت به، وهو الأكل والشراب والكسوة ونحوها، وذلك يتوقف على تحصيل المال والكسب.

وقد عُرِف أن أنواع الكسب كثيرة، المكاسب التي يكتسب منها المال فمنها: الحِرَف اليدوية كالصناعات من حِدادة، ونجارة، ونساجة، وحجامة، وهي فئة، ومثلها أيضا الصناعات الحديثة، وصناعات الأدوات والمكائن، وما أشبهها، وما تحتاج إليه من هندسة ونحو ذلك، فهذه من أنواع المكاسب التي ينشغل بها خلق كثير، ومنها أيضا الحرف اليدوية مثل: البناء والحفر، والغرس، والتكسب بمثل ذلك كخياطة وغسيل وما أشبه ذلك، هذه أيضا من المكاسب التي يتكسب بها.

وكذلك أيضا تربية المواشي وتغذيتها، والتكسب من ورائها، وكذلك غرس الأشجار واستثمارها، والتكسب من ثمارها أكلا وتجارة وما أشبه ذلك، وكل هذه تعرف بالتجربة، ويحتاج في معرفتها إلى تعلم مبادئها، وليس لها أحكام من الأحكام التي يُعرف بها حل أو حرمة إلا الأشياء العامة من تحريم الغش فيها والخيانة والمخادعة وخلف الوعد، وما أشبه ذلك.

لكن أهم شيء في المعاملة هو البيع والتجارة؛ فلذلك اعتنوا بهذا النوع الذي هو قسم التجارة، فابن ماجة في سننه قال:"كتاب التجارات"، والبخاري قال:"كتاب البيوع"، وكذلك مالك وأبو داود ومسلم وغيرهم قالوا:"كتاب البيوع"، وبعضهم قال:"كتاب البيع"، وسبب تخصيصهم واعتنائهم بالبيع أن فيه مخالفات، وفيه شروط، وفيه أخطاء كثيرة، وتدخل الشرع في أموره فأحلَّ أشياء، وحرَّم أشياء، ففيه أنواع الربا، وفيه النهي عن الغرر، وما أشبه ذلك.

ولا شك أن هذا من أهم الأمور التي يحتاج إليها، أي: من الأمور المهمة في هذه الحياة، ولا شك أن الكسب الحلال له تأثير في الغذاء، وتأثير في حفظ الحياة الطيبة، وأن الكسب الحرام له أيضا تأثير في العبادت، والمعاملات؛ ولذلك ورد في حديث:"لا يدخل الجنة لحم نبت على سحت"وفي رواية:"كل لحم - أو كل جسد- نبت على سحت فالنار أولى به"والسحت هو الحرام الذي ذم الله اليهود به، قال تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} أي: للحرام، وقال تعالى: {وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) } وفسر أكلهم هذا بقوله في آية أخرى: {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} فإن هذا من السحت.

وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن أكل الحرام سببٌ لرد الدعاء في قوله:"إن الله طيِّبٌ لا يقبل إلا طيِّبا، ثم ذكر الرجل يطيل السَّفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام؛ فأنى يُستجاب له؟!"يعني: أنه لما تغذى بالحرام رد الدعاء منه مع ذكر الأسباب الكثيرة التي تكون سببا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت