في إجابة الدعاء؛ فلذلك يتأكد على المسلم أن يبتعد عن أكل الحرام، وأن يحرص على أكل الحلال، ولا شك أن له تأثير عجيب في إجابة الدعاء.
ذكروا قبل نحو سبعين أو ثمانين سنة أن رجلا في بعض القرى القريبة كان مُستجاب الدعوة، يأتي إليه المريض، فينفث عليه؛ فيشفى بإذن الله، ويدعو له، فيستجاب دعاؤه، ثم إنه استُحْضِر إلى هذه البلاد، وقيل: إنه يتعاطى سحرا أو نحو ذلك، فلما اختبر أخبر بأنه لا يأكل إلا حلالا، وأن والده خلَّف له بستانا من كسب يده، وأوصاه بألا يأكل إلا منه، وأنه توقف عليه، فهو ينفق عليه بجزءٍ منه، ويتغذى بجزء منه، ويبيع بيعا صحيحا بعضه، ويشتري بما يبيعه منه حاجاته الأخرى الضرورية.
ويشهد لذلك أيضا حديث في صحيح البخاري، حكى النبي - صلى الله عليه وسلم -"أن رجلا رأى سحابة، وسمع صوتا فيها يقول: اسق حديقة فلان يقول: ثم إن تلك السحابة تقدمت قليلا، وأمطرت في شعب، فتبع سيله حتى وصل إلى حديقة، وفيها رجل يصلح الماء، فسأله فإذا هو ذلك الرجل الذي سُمِع اسمه من السحابة، وأخبر بأنه يقسم إنتاجها ثلاثة أقسام، قسما يتصدق به، وقسما يرده فيها ينفق به عليها، فرحمه ربه بهذا التصرف الحَسَن، وأرسل هذه السحابة لتسقي حديقته"
وكذلك أيضا ذكر لنا بعض مشائخنا في بعض القرى تأخر المطر عن زمانه، وخيف على بعض الأشجار والثمار الكساد أو الموت واليبس، ولم يقدروا على الاستسقاء إلا بأمر عام من الحكومة، ثم إن أحدهم استسقى وحده، ومعه أولاده وأخوه، صلى ركعتين في صحراء قريبة من بستانه، ولما صلى ركعتين رفع يده ودعا ودعا وقلب رداءه أو كساءه، وقلب أهله أرديتهم، ولم يمكث إلا يوما واحدا حتى جاءت سحابة، وسقت بستانه حتى روي، ووصل إلى جاره، ولم يسق إلا خمس نخلات، ثم وقف.
هذا من آثار الغذاء الطيب، من آثار الكسب الحلال إجابة الدعوة، ولا شك أن كلما فشا الحرامُ، وكثر تداوله كان ذلك من أسباب رد الأدعية، وعدم الاستجابة، وهكذا أيضا إذا فشت المعاصي، وكثرت المخالفات.
والحاصل أن العلماء اهتموا في هذه الكتب بالكسب الحلال، فذكروا شروط البيع، والشروط فيه، والخيار، والربا، والتحذير منه، أو تنويعه، وكذلك بقية المعاملات إلى أن ذكروا أنواع المكاسب التي يحصل منها كسب المال، ومنها الفرائض، والوصايا، والعتق، وبنهاية العتق يكون قد انتهى قسم المعاملات التي فيها كسب المال بأي طريق من الطرق، وبعدما أن انتهوا من هذا القسم عرفوا أن المسلم إذا حصل على قوته، وعرف كيف يكسب المال، وعرف وجوه المكاسب المباحة، فلا بد له بعد ذلك من أمر آخر ألا وهو النكاح، فإنه أيضا من الضروريات في هذه الحياة، وإن لم تكن الضرورة إليه مثل الضرورة إلى الغذاء الذي هو القوت الذي هو ضروري في كل يوم مرة، أو مرات.
لما انتهوا من المعاملات بدءوا بالقسم الثالث، وهو قسم النكاح، ويسمى العقود والمعاقدات، وأدخلوا فيه الخلع، والطلاق، والإيلاء، والظهار، واللعان، والعِدَد، والنفقات؛ لأنها من تمامه، وإن كانت لها تعلق بالقسم الثاني الذي هو المعاملات، وبعدما انتهوا من هذا القسم، فالعادة أن الإنسان إذا تمت عليه النعمة -نعمة المأكل، والمشرب، والمسكن، والملبس، والمنكح- فلا بد أن يكون عنده شيء من التعدي، لا بد أن يتعدى، طبع الإنسان الأشر، والبطر، والاعتداء على الغير؛ فجعلوا بعد ذلك قسما رابعا هو خاتمة أقسام الفقه، وهو قسم"الجنايات"الذي هو الشجاج، والقصاص، والديات، وما يتصل بها، وكذلك الحدود التي حددها الشرع عقوبة على المحرمات، كحد الزنا، وحد السرقة إلى آخرها، وألحقوا بذلك أيضا القضاء؛ لأنه لا يُحتاج إليه إلا عند كثرة الجنايات، وكثرة الخصومات، وختموا بالإقرار الذي يكون سببا للحكمِ بما أقر به.
فهذه أقسام الفقه، هكذا قسَّم فقهاء الحنابلة، لكن هناك كثير قدموا وأخروا في هذه الأقسام من المتقدمين والمتأخرين، ولكل اجتهاده، نعود فنقول: البيع هو أكثر ما يستعمل في المكاسب، وذكروا أن اشتقاقه من الباع، الباع هو ما بعنا اليدين إذا مدتا، سمي بذلك لأن المتبايعين يمد كل منهما باعه يعني: يده بالأخذ والإعطاء، فالبائع يمد يده بالسلعة، والمشتري يمد يده بالثمن، وعرفوه بأنه عقد أو معاملة لأخذ شيء من السلع بثمن معلوم، والعقد والمعاقدة بين اثنين، بين المشتري والبائع، ولا بد فيه من الصيغة التي يصح بها، الصيغة ذكروا أن له صيغتين: ـ
صيغة قولية، وصيغة فعلية، القولية هي الإيجاب والقبول، والفعلية هي المعاطاة من البائع أو المشتري.