فالصيغة القولية: أن يقول البائع: بعتك، ويقول المشتري: قبلت، بعتك الثوب بعشرة، ويقول المشتري: قبلته أو رضيت به، هذه هي العادة أنه لا بد من إيجاب و قبول، ثم لا بد أن يكون الإيجاب هو المتقدم، وقيل: يصح تقدم القبول، فإذا قال -مثلا-: اشتريت الكتاب منك بعشرة، فقال: قد بعتك، صح ذلك ولو كان القبول متقدما، وكذلك إذا قال: بعني هذا الكتاب بعشرة فقال: خذه بها، صح ذلك.
واختلفوا في تأخير الإيجاب، أو في تأخير القبول، فلو -مثلا- أنه قال: بعتك كتابا بعشرة، سكت المشتري ساعة أو ساعتين، ثم قال: قبلت، الصحيح أنه يجوز ذلك وينعقد، وكذلك -مثلا- لو اشتَغَل بكلام الأجنبي لو قال: بعني هذا الكتاب بعشرة، فسكت البائع، ثم انتقل إلى كتاب آخر، فقال: بعني هذا المصحف -مثلا- بعشرين، ثم بعد ذلك قال: قد بعتك الأول بعشرة، فلا حاجة إلى أن يقول: قبلتُ؛ وذلك لأنه قد بدأ بسومه من قبل، ثم ذكروا له صيغة المعاطاة، صيغة فعلية، وهي أن يمد إليه السلعة، ويمد الثمن إذا كان قد عرف ثمنها، لو كان مكتوبا على الكتاب ثمنه، أو على الكيس ثمنه، فمد الدراهم، ولم يتكلم، فأخذها البائع، ومد إليه السلعة، ولم يتكلم واحد منهما، تسمى هذه صيغة فعلية، تستعمل في الأشياء التي عُرف ثمنها.
إذا أتيت إلى الخباز فإنك تدفع إليه ريالا، ويمد إليك أربع عادة دون أن يتكلم واحد منكما، وهكذا أيضا بقية المعاملات التي لا يحتاج فيها إلى مماكسة، أثمانها معروفة، ومثلها أيضا الأجرة إذا كانت محددة أجرة السيارة إلى مكان معين فتسمى هذه معطاة، ذكر أنه يشترط له سبعة شروط، فأشار إلى أنها لا بد منها: ـ
الشرط الأول:
التراضي منهما؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -"إنما البيع عن تراضٍ"أي: لا يكون إلا عن تراضٍ، يخرج المغصوب إذا أخذت منه سلعته بدون اختيار منه، فإن البيع باطل؛ وذلك لأنه لم يسمح بها، ولم يرض بذلك الثمن، إما أنه بحاجة إلى سلعته، سيارته -مثلا-، أو بيته، أو ثوبه، وإما أن الثمن قليل الذي بذلوه له؛ لذلك اشترط التراضي، قال تعالى: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} أي: عن رضا من الطرفين، كذلك أيضا لو ألزم المشتري وأكره ليشتري هذه السلعة، وألجئ إلى شرائها، وهو لا يريدها لا ينعقد البيع، فلا يجوز إكراه البائع، ولا إكراه المشتري لا بد من الرضا؛ وذلك لأن المكره ليس مختارا، بل ملجأ إلى ذلك.
وقد اختلفوا في بيع التجزئة، والصحيح أنه لا ينعقد إلا إذا كان ذلك للمسافر كما إذا كثرت الديون على إنسان، وأكرهه الحاكم على بيع بيته، أو سيارته -مثلا-، أو سلع لضمان أداء دَيْنِه، فإن هذا إكراه بحق.
الشرط الثانى:
أن يكون الأخذ جائز التصرف، سواء أن كان هو البائع أو المشتري، فإذا كان سفيها، أو صغيرا، أو محجورا عليه، أو مملوكا فلا ينفذ تصرُّفه، أجازوا الشيء اليسير في الصغير، الصغير الذي دون العاشرة أو نحوها إذا جاءك -مثلا- بريال، أو خمسة ريالات، وطلب حاجة معروفة، وأعطيته، فإن هذا عادة ينقضي؛ لأنه في الغالب يتسامح فيه.
وأما إذا جاء بمال كثير كخمسين، أو مائة، فالأصل أن أهلَه لا يولونه مثل هذا فلا بد أنه أخذها من غير رضا، فلا يجوز أن ينفذ بيعه وشرائه، وهكذا -مثلا- لو أخذ كيسا، أو ثوبا له قيمة، أو كتابا له قيمة، وجاء به ليشترى فالعادة أن أهله لا يوافقون على توكيله على هذا، فلا بد أن يكون العاقد جائز التصرف، يأتينا -إن شاء الله -في باب الحجر متى يجوز تصرفه؟.
الشرط الثالث:
كون المبيع مالا، وهو ما فيه منفعة مباحة، فلا يجوز بيع ما ليس فيه منفعة، أو فيه منفعة، ولكنها محرمة مثل الخمر الذي ذكره الله: {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} وكذلك إذا كانت المنفعة المباحة ليست مباحة مطلقا، كالكلب فإنه وإن كان فيه منفعة الحراسة، أو الصيد، لكنها منفعة خاصة محتاج إليها.
وكذلك الحشرات ليس فيها منفعة، فإذا كان فيها منفعة خاصة، فإنه يجوز بيعها مثل: بيع النحل، فإنه يستخرج منه العسل، فيجوز بيعه، وإن كان من الحشرات التي هي شبيهة بالذباب، ومثل بيع دودة القذ، فإن نسيجه يستعمل