حريرا ينتج منه الحرير، مثله مثل العنكبوت إلا أنه أرق وألين، فيأخذ هذا النسج، وينسج منه ثياب لينة رفيعة الثمن، فيجوز بيع نسجه، ويجوز بيع الدود نفسه.
وأما بقية الحشرات فلا يجوز بيعها، وكذلك ما لا منفعة فيه، الذي فيه منفعة مباحة، ولو كان حرام الأكل مثل الحمر، الحمار الأهلي منفعتُه مباحة، والناس يحتاجون إليه للحمل عليه وركوبه عادة، وإن كان غير مأكول، فبيعه متعارفٌ عليه.
الشرط الرابع:
كون المبيع مملوكًا للبائع، أو مأذونا له فيه، يخرج أن يبيع ما ليس في ملكه، فلا يبيع شاة غيره، ولا بيت غيره، ولو كان أخاه لأبيه وأمه إلا إذا كان موكَّلا مأذونا له في البيع، فإنه يقوم مقام صاحب المال، وكذلك لا يشتري لغيره، فلو أعطاك إنسان -مثلا- أمانة ألفا، أو عشرة آلاف اعتبرها أمانة، ولا تقل: سوف أشتري له به سلعا، أو أشتري بها أرضا، أو دارا، ولو كانت رخيصة، أحفظها له حتى تسلمها، ولا تقل: إن هذا أنفع.
ولا يجوز لك أن تبيع شاة غيرك حتى ولو جاء إنسان محتاج، وسوف يدفع فيها ثمنا كثيرا، وتقول: أبيعها لأجل المصلحة، لأجل هذه المصلحة التي ليس لها نظير، فلا يجوز ذلك، وما ذاك إلا أنه في هذه الحال قد لا يرضى، قد تكون حاجته أشد إلى تلك الشاة، أو إلى ذلك الثوب، أو ذلك الكيس، أو ما أشبه، فالحفظ لهم أولى.
لو -مثلا- اشتريت شاة، ونويتها لزيد بدرهم عندك له، ثم قبلها زيد، أو كان عندك له دراهم، وعرفت أنهم بحاجة إلى شاة، ورأيت شاة مناسبة، واشتريت تلك الشاة بدراهمه، فإن رضي فهي له، وإن سخط لزمتك أنت، ولا يقبلها صاحبها البائع إلا إذا أخبرته، وقلت: إنى اشتريها من زيد، وقد لا يكون موافقا؛ لأنه غائب عندي له دراهم، فإذا لم يرضها فإنَّ صاحبها يقبلها؛ لأنك أخبرته بأنك لا تشتريها لنفسك، وإنما لغيرك، لإنسان عندك له مال، وهو لم يرض، أما إذا كان حاضرا، واشتريت بماله، وأقرك، وانتهى العقد، ففي هذه الحالة الساكت وهو يرى تصرفك، الصحيح أنه يلزمه ذلك، وإذا تم البيع فليس له الرجوع، وليس لصاحبها أن يُلْزَم بها.
والحاصل أن هذا يعتبر من الشروط المشهورة، وهو كون البائع مالكا للعين، أو وكيلا لتلك العين مأذونا له فيها.
الشرط الخامس:
القدرة على التسليم، يُخرج ماذا؟ إذا كان لا يقدر على تسليمه، فإنه لا يصح العقد، مثَّلوا ببيع الجمل وهو شارد، عادة أنه إذا شرد لا يستطيعون اللحوق به، توجد عندهم الخيل، ولكن قد لا تدركه، وقد تدركه ولكن يغلب الفرس بقوته، ربما صدمها وسقطت؛ من أجل ذلك قالوا: لا يباع وهو شارد، يمكن في هذه الأزمنة يدرك بالسيارات، وإن كان قد يسلك طريقا صعبة لا تسلكها السيارات، إذا كانت فيها شعاب، أو أشجار، وحجارة، ومرتفعات، ومنخفضات، وهو الجمل قد يصعد الجبال، قد يسرع السير، قد يصعد المرتفعات، ولا يهمه؛ فلذلك لا يصح بيعه حتى يقدر على تسليمه.
وكذلك أيضا العبد الآبق الهارب، لا يجوز بيعه أيضا؛ لأنه غير مقدور على تسليمه، وهكذا أيضا بيع الطير في الهواء، ولو أَلِفَ الرجوع كالصقر -مثلا-، والبازي، والباشر التي تعلم لأجل الصيد بها، منه إذا كان طائرًا في الهواء، فالعادة أنه لا يفهم، إذا قيل له: ارجع ما يدري، ولا يرجع، وإن كان أهله يشيرون إليه إشارات فينزل بها، ولكن ليس ذلك مطردا؛ فلذلك لا يجوز بيع الطير في الهواء، وهكذا الطيور المأكولة، ولو مر بك حمام، أو كان في طريقه في السماء، فلا يجوز أن تقول: أبيعك يا فلان خمسًا من هذا الحمام سأرميها، وأسقطها، وليس ذلك في إمكانك، وليس ذلك بملكيتك، ولو كنت معتادا أنك تصيب إذا رميت، فلا يجوز بيعه وهو في الهواء، وكذلك السمك في البحر، فالعادة أنه يكون بعيدا، وقد يهرب إذا نزل عليه أحد يصيده، فلا يجوز بيعه في هذه الحال، هذه أمثلة.
الشرط السادس:
أن يكون معلوما لهما برؤية، أو صفة تكفي في السَّلَم، المبيع لا بد أن يكون مرئيا، أو موصوفا بصفة توضحه، فالمرئي في الجمل تشاهده تنظر فيه، ومثل الثوب تقلبه، ومثل كذا ترفعه، تنظر فيه، ومثل الكتاب تقلب ورقاته وتعرفه، فهذا بيعه صحيح بعد رؤيته وتقليبه، والغائب لا بد من صفته وصفا دقيقا، لا يكون معه اختلاف، وصفا يكفي في السَّلَم.
يأتينا في السلم أنه لا يجوز السلم في الأشياء التي لا تنضبط بالوصف إن كانت ستدخلها صناعات يدوية، فعلى هذا لا بد أن يكون منضبطا بالصفة، ثوب من صفته كذا وكذا، نوع القماش كذا وكذا، طوله كذا، عرضه كذا شاة