فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 722

الذي يبعد -مثلًا- عن المستودع هذا يبعد عن -مثلًا- نصف كيلو، لا شك أنه سيزيد عليك الكيس الذي يحمله، ولكن يعتبر هذا شرطًا، يعني: اشترطت أن يحمله، والحاصل أن هذه شروط صحيحة.

ثم قالوا: إن جَمَع بين شرطين بطل البيع، وقد أشكل هذا الأمر؛ لأنه ورد في الحديث"أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ربح ما لم يضمن"وعن شرطين في بيع،"لا شرطان في بيع"فهذا الحديث أشَكل على كثير من العلماء، فتوقف كثير منهم، وتورعوا عن هذه الشروط، ورد -أيضا- حديث بلفظ نهى عن بيع وشرط، ومع ذلك الصحيح أنها تجوز الشروط التي من مصلحة البيع.

وقد ثبت في الصحيح"أن جابرًا باع جمله إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - واشترط حملانه إلى المدينة"أي: اشترط أن يحمل رحله، وهذا شرط في مصلحة البائع جابر، فهو دليل على جواز الشرط، أي: جنسها إذا كان فيها مصلحة، والشرع لا ينهى عن شيء فيه مصلحة، وليس فيه مضرة، فإذا جاءنا هذا الحديث:"لا شرطان في بيع"نلتمس له صورة تنطبق عليه، فيحمل على شرطين باطلين؛ وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عائشة:"كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط"

ويراد بكتاب الله شرع الله، أي: كل شرط مخالف لشرع الله فهو باطل، فعلى هذا إذا قال: اشتريت منك الدابة بشرط أن تكون هملاجة ولبونًا فهل هذان شرطان؟ الصحيح أنه جائز، الهملاجة: المذللة، واللبون: ذات اللبن، والمعنى أنها يشترط فيها صفة فيها منفعة، صفة ينتفع بها هذا المشتري، فلا محظور من ذلك.

وكذلك على الصحيح لو قال: اشتريت منك هذا القماش بشرطين: أن تفصله، وأن تخيطه، فهذا من مصلحة المشتري، ولا محظور في ذلك، خلافًا لما فهمه كثير من الفقهاء، وكذلك لو قال: اشتريت منك الحطب بشرط أن تحمله، ثم تكسره، فهذان -أيضا- من مصلحة المشتري؛ وذلك لأنه قد يشق عليه حمله وتكسيره، فله في ذلك مصلحة، ولا محظور في ذلك ..

فعلى هذا كيف يحمل حديث"لا شرطان في بيع"؟ يحمل على أن المراد: الشرطان الفاسدان اللذان ينافيان مقتضى العقد، كأن يَشترط -مثلًا كما سيأتي- أن لا خسارة عليه، أو يشترط أن الولاء له، أو ما أشبه ذلك، شروط تنافي مقتضى العقد، يمكن أن يدخل في ذلك -أيضا- الشروط الربوية التي توقع في المحظور من الربا ونحوه.

والحاصل أن هذا النوع، أو هذه الأنواع شروط صحيحة سواء كانت شروط مقتضى العقد، أو شروطا من البائع كسكنى الدار شهرًا، أو حملان البعير إلى موضع معين، أو من المشتري كحمل الحطب وتكسيره، وخياطة الثوب وتفصيله، وكذلك صفات المبيع ككون العبد كاتبًا، أو خصيًّا، أو مسلمًا، والأمة بِكرًا، والدابة هملاجة أو لبونًا، وهكذا الصفات في المبيع.

أما الشروط الفاسدة فمنها: شروط تنافي مقتضى العقد، وهذه تفسد العقد، فإذا قال -مثلًا-: بعتك الكتاب بشرط ألا تقرأ فيه، ولا تبعه، ولا تُعِره، ولا تمكِّن أحدًا يقرأ فيه، ماذا أنتفع به، وما حاجتي فيه؟، بعتك البيت بشرط ألا تسكنه، ولا تؤجره، ولا تسبله، ولا تبعه، هذه شروط تفسد العقد، وهكذا بقية أنواع الانتفاع؛ لأنك -مثلا- ما اشتريت الثوب إلا لتلبسه، أو لتهبه، أو لتبيعه، فكيف يمنعك من ذلك؟! ما اشتريت -مثلا- هذا الطعام إلا لتأكله، أو لتتصدق به، أو تطعمه ضيفك، أو أهلك، فكيف يشترط عليك منعك من ذلك؟ هذا ينافي مقتضى العقد.

كذلك -أيضا- من الشروط ما يبطل الشرط، ويصح العقد، مثَّلوا بما ورد في الحديث أنه -عليه السلام- قال:"كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، والولاء لمن أعتق"ورد ذلك في قصة بريدة لما شرط أهلها أن الولاء لهم، وهم ما أعتقوها،"الولاء لمن أعتق"فإذا قال: بعتك العبد بشرط ألا تعتقه، ولا تستخدمه، ولا تبعه، أو بشرط أنك إذا أعتقته فلي الولاء، فمثل هذا شرط باطل، العقد صحيح والشرط باطل.

وهكذا في الرهن لو قال: اشتريت منك -مثلا- هذه الأكياس، ورهنتك هذا السلاح بشرط أنك لا تبعه إذا حَلَّ الدَّيْن، أو قال -مثلا-: إذا حلَّ الدَّين، ولم توف فالسلاح لك، هذا كله شرط باطل، البيع صحيح، والشرط باطل، ماذا يفعل، يبيعه إذا جاء الدين، ويستوفي دينه من ثمنه، وبقية الثمن لصاحبه، ورد في الحديث"لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه، وعليه غرمه"هذه أمثلة لهذه الشروط ما يصح منها، وما لا يصح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت