فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 722

ننتقل بعد ذلك إلى باب الخيار، وهو في اللغة: التخيير بين شيئين، إذا قال -مثلا-: اختر هذا وهذا، عند الفقهاء طلب خير الأمرين من الإمضاء أو الرد.؛ وذلك لأن البيع قد يقع في حال عجلة، في هذه الحال قد يندم المتعاقدان، فإذا ندم كان في إمكانه الرد، وإذا مضت المدة لم يتمكن من الرد؛ فلذلك شُرِع الخيار.

ذكر أنه أقسام، ولكنه ذكره ثمانية:

القسم الأول: خيار المجلس، أي: مكان موضع العقد، سواء كانا جالسين، أو واقفين، أو راكبين أو ماشيين، ما داما مجتمعين، فإن الخيار ثالثٌ لكل منهما، دليله قوله - صلى الله عليه وسلم -"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، وكانا جميعًا، أو يخيِّر أحدهما صاحبَه، فإن خير أحدهما صاحبَه فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا فقد وجب البيع"فسبب ذلك أنك -مثلا- قد تشترى السلعة، ثم يتبين لك أنها عندك، فتقول: لم يحصل تفرق، فخذ سلعتك، وردَّ دراهمي، أو -مثلا- تبيع السلعة، ثم يتبين أنك بحاجة إليها، فتقول: رد علَيَّ سلعتي، وخذ دراهمك، فإني لا أستغني عنها، فهذا سبب شرعية خيار المجلس، وهذا مما جاء به الشرع، ولم يكن معروفًا قبل الإسلام إلا أنهم كانوا إذا تبايعوا، وتعاقدوا، فإنه قد يندم أحدهما، ويطلب الإقالة.

فالحاصل أن في هذا دليل على شرعية هذا النوع، وكذلك -مثلا- في كل عقد من العقود التي في معنى البيع، مثاله: إذا جئت -مثلا- بجنيه، وطلبت من الصيرفي تحويله إلى دراهم، فقال: أشتريه منك بخمسمائة وخمسين، ثم سَلَّم لك قيمة الجنيه، ثم تذكرت أن فلانا يشتريه بستمائة فندمت، وقلت: رد علَيَّ جنيهي، وخذ دراهمك، نحن لا نزال في المجلس، يلزم ذلك يرده عليك.

وهكذا الإجارة لو استأجرت من المكتب دارا بعشرة آلاف لمدة سنة أو نصفها، وبعدما سلَّم لك المفاتيح قبل أن تتفرقا، وقد أعطيته الأجرة أو نصفها تذكرت أنك مغلوب، وأنه يوجد فلان أرخص منها، وأنها لا تساوي إلا ثمانية، ندمت، وقلت: رد علَيَّ دراهمي، وخذ مفاتيح دارك لا حاجة لي فيها، يصح ذلك، وهكذا -أيضا- العكس لو أن صاحب الجنية ندم، وقال: أنا اشتريت منك الجنيه بخمسمائة وخمسين، وأنا أعرف أنه غالٍ، لا أريده، رد علي دراهمي، أو أنا بحاجة إلى دراهمي، ولا حاجة لي بالجنيه.

وكذا صاحب البيت إذا أجر بعشرة، ثم بعد ذلك تذكر أنه يساوي اثني عشر، فقال: ندمت لا أؤجره بهذا رد علَيَّ مفاتيحي، وخذ دراهمك، ندم بعدما تم العقد، يجوز ذلك، وهكذا يكون في السَّلَم، وهكذا -أيضا- في الشركات، وهكذا في الصلح الذي هو بمعنى البيع، وما أشبهها، هذا النوع خيار المجلس متى يحصل لزوم البيع؟

بالتفرق أي: بالأبدان، أي: أن يتفرقا، فإذا اشترى -مثلا- كيسا، وحمله على سيارته، ثم ركب سيارته، ومشى -مثلا- عشرة أمتار، ثم ندم، ورجع، وقال: خذ كيسك، لزم البيع، لا يتمكن؛ وذلك لأنه حصل التفرق، وكذلك لو ندم البائع بعدما ركب المشتري سيارته، ومشى عشرة أمتار أو نحوها ندم البائع، وأدركه أو اتصل به هاتفيًا، وقال: ندمتُ رد علَيَّ أكياسي لا يستطيع، وجب البيع.

إذن: التفرق هو التفرق بالأبدان، هذا هو الصحيح، ثم خالف في ذلك المالكية والأحناف، وتكلفوا في رد هذا الحديث، فالإمام مالك رده بأنه مخالف لعمل أهل المدينة، وقال: لا أعرف أحدًا يعمل به في المدينة، وفي مشائخنا، وقد خالفه كثير من العلماء في زمانه وبعده، وذكر ابن أبي ذئب أنه حديث مشهور، وأنه معروف موثوق معمول به في البلد، وابن أبي ذئب من علماء قريش من أهل مدينة، فعرف بذلك أن هذا الدليل كونه مخالفا لعمل أهل المدينة غير صحيح.

كذلك أتباع مالك الذين قلَّدوه، وتمسَّكوا أنه ليس هناك خيار مجلس، تكلفوا في صرف الحديث عن ظاهره، فقالوا: المراد بالتفرق التفرُّق بالأقول، ولا شك أن هذا خلاف الواقع؛ وذلك لأنهما قبل الأقوال لا يسميان متبايعين، الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال:"البيعان"، فقبل أن يقول: بعني، وقبل أن يقول: بعتك هل يسميان بيعان؟ فهذا صرف للنص عن ظاهره، كذلك -أيضا- يقال: أعذارهم عن هذا الحديث غير سديدة، ولا عذر عن العمل بهذا الحديث.

أما القسم الثاني من أقسام الخيار: خيار الشرط، إذا اشترط لهما، أو لأحدهما مدة معلومة ولو طويلة، فإنه لازم، ولا بد من تحديد المدة، فيقول -مثلا-: اشتريت السيارة بعشرين ألفا، ولي الخيار، أستشير مدة يوم أو يومين أو أسبوع، اشتريت منك البيت، ولي الخيار مدة شهر أبحث عن جيرانه -مثلا-، وأبحث عن صفاته الخفية، عن أسسه -مثلا-، وعما فيه من عيوب، فلي الخيار هذه المدة، إن شهرا -مثلا- أو نحوه، يصح ذلك، لا بد أن يحدد فيقول: شهرا هلاليا، أو أسبوعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت