فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 722

أما النوع الرابع: خيار التدليس، التدليس هو إظهار السلعة بمظهرٍ غير ما هي عليه، مثَّلوا بثلاث: كتصفيف شعر الجارية وتجعيدها، وجمع ماء الرحا، وإرساله عن عرضها، ومثلوا -أيضا- بالمصراة التي جمع لبنها في ضرعها يسمى هذا تدليسا، وهذا يعتبر غشًا إذا أظهر السلعة بمظهر حسن، وباطنها غير حسن، يحدث هذا كثيرًا، ويسمى غشًّا، داخل في الغش.

فثبت"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر على بائع طعام -بر- فأدخل يده، فأصابت بللًا، ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابتها السماء. -يعني: المطر- قال: هلا جعلته أعلاه كي يراه الناس؟ من غشنا فليس منا"اعتبر هذا غشًّا، يعني: كان عليه أن يجعل العيب ظاهرًا، أما إذا كان المتندي باطنا، فإذا جاء يكيل أدخل الصاع حتى يأخذ من ذلك الرطب، ويجعله في المكيال، ولا يتبطن فيه اعتبر هذا غشًّا وتدليسًا.

وكذلك -مثلا- إذا جعل أعلى الزنبيل شيئا جيدا من القهوة -مثلا- أو من الهيل، وأسفله رديء، فإنه يعتبر هذا -أيضا- غشا؛ لأنه إذا جاءه الجاهل أخذ له من الأسفل ليخلطه ويلتبس عليه.

كذلك -مثلا- بائع اللحم الذي يبيع بالوزن، إذا أظهر اللحم الأحمر أمام المشتري، وأخفى عنه العظم، أو العصب، وإذا جاء ليزن أخذه، وجعل هذا من أسفل، لا شك أن هذا يعتبر -أيضا- تدليسًا، وكل هذا واقع كثيرًا.

مررت مرة بالذين يبيعون الأعلاف، وإذا عندهم أعلاف قد بقيت خمسة أيام، وقد يبس أعلاها، أمَّا وسُطها فإنه لا يزال نديًّا، فإذا هو يحل الخيط عنها، ثم يأخذ اليابس الذابل، ويجعله في الوسط، ثم يجعل الشيء الندي الذي لا يزال رطبًا نيئًا من الأعلى، فنصحته وقلت له: هذا غش. فقال: ما هذا غش، هذا أمام البائع وأمام المشتري، يقول: فقلت: فإن المشتري لا ينظر إلا إلى هذا الظاهر، ويعتقد أنه جميعًا سواء، فقال: هذا كله أمامك، ثم قال: إن -مثلا- هذا **المشكل عليك إذا تحسس أسفله، فإنك تفك خياطته التي في الوسط، وتجعل الأسفل في الوسط أليس هذا غشا؟ فقلت: ليس كذلك؛ ذلك لأنه الرطب الذي يشتري لا بد أنه يقلبه، فيعرف أنه رد أسفله إلى أعلاه بخلاف هذا.***

فالحاصل ينتبه لمثل هؤلاء، يبيعون الفواكه -مثلا- كالطماطم، فيجعلون الأعلى صالحًا، وكذلك الذين يبيعون التفاح أو نحوه يجعلون أعلاه صالحًا، وأسفله رديئًا إذا كان في أسطال أو في كراتين، هكذا باعة الرطب وما أشبهها، لا شك أن هذا داخل في الغش، فإذا عثر على ذلك، فإن له الخيار، إذا تبين أنه قد دلَّس عليه، فإن له الخيار.

الفقهاء مثلوا بتسويد شعر الجارية إذا كان يبيع جارية، يعني: أمَة قد ابيض شعرها من الكبر، فيسوده حتى يتوهم من يشتريها أنها شابة، هذا -أيضا- غش، أو يجعده، والتجعيد هو أن تعالج كل شعرة إلى أن تنعقد على أصلها، الشعر الجعد هو المتعقد، يوهم أنها شابة أو نحو ذلك.

كذلك جمع ماء الرحا وإرساله عند عرضها، الرحى قديما: حجر يركب على حجر، ويجعل القمح في وسطه حتى تدور وتطحنه، الذي يدور بها هو الماء، يجعلون في هذه الرحى خروق، خرق هذا فيه خشبة في لوح، وخرق أمامها لخشبة في اللوح وهكذا، وهذه الألواح لها أطراف في وسط الماء، الماء الذي يمر مع هذا المجرى، يعني: مع الساقي يمر فيرفع هذا اللوح، فإذا دفعه شيئًا استدارت الرحى شبر كذا شبر، ثم جاء اللوح الذي بعده، فيدفعه الماء، فاستدارت كذا شبر إلى أن تستدير، فإذا كان جر الماء جيدا، فإن استدارتها تكون بسرعة، تدور بسرعة، فيجمعون الماء -مثلا- في خزان، ثم إذا عرضوها للبيع أطلقوا الماء بقوة، فإذا رآها المشتري، وجدها تدور بسرعة، فيزيد في الثمن، يعتقد أن هذه عادتها، وهكذا مثلوا بهذه الأمثلة، على كل حال لا شك أن هذا كله غش، وأن الغش كثيرًا، أنواعه متكاثرة.

النوع الخامس، القسم الخامس من أقسام الخيار هو خيار العيب: تعريفه: ما ينقص قيمة المبيع كمرض وفَقْدِ عضو وزيادته، هكذا يمثلون، والأمر أهم من ذلك.

العيب: هو ما ينقص قيمة المبيع، فإذا -مثلا- اشترى الثوب، وبعد ما اشتراه وجد فيه خرقًا أو خروقًا استحق الرد؛ لأن هذا عيب، وكذلك إذا اشترى الكيس ثم وجد فيه دابة -مثلا- قد أفسدته، أو وجد فيه أخلاطا من شعير أو نحوه، اعتبر هذا عيب فله رده، أو اشترى بعيرًا، ووجده أعور، أو وجده مريضًا.

كذلك -مثلا- إذا اشترى شاة ووجدها مصراة، أو قد حبس لبنها في ضرعها يومين، أو ثلاثة أيام إلا أن المصراة ورد أن الخيار فيها ثلاثة أيام، وأنه إذا ردها يرد معها صاعين طعام، من تمر أو نحوه عوضًا عن اللبن الذي كان فيها وقت شرائه لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت