فهرس الكتاب

الصفحة 259 من 722

ذكر أن الربا نوعان: ربا ففضل، وربا نسيئة، وربا الفضل أخف؛ وذلك لأن فيه خلاف عن بعض السلف، قد روي عن ابن عباس وغيره أنهم أباحوا ربا الفضل، ولكن ذكروا أن ابن عباس رجع عنه، وإن كان قد تبعه على ذلك بعض تلاميذه وقالوا بقوله، وذكر بعضهم أنه لم يرجع عن إباحته، واستدل له بحديث رواه أسامة في الصحيح:"لا ربا إلا في النسيئة"أو:"إن الربا في النسيئة"فأخذوا من هذا أنه لا يحرم ربا الفضل، ولكن حمله بعضهم بقوله:"لا ربا أشد، ولا ربا أعظم من ربا النسيئة".

بدأ بربا الفضل، ربا الفضل اختار هنا أنه في كل مكيل وموزون بيع بجنسه متفاضلا، يحرم ربا الفضل، يحرم في كل مكيل وموزون بيع بجنسه متفاضلا ولو يسيرا لا يتأتى، يعني: في الحاشية قال:"كتمرة بتمرتين"هكذا اختار، وهو المشهور عن الإمام أحمد أنه كل مكيل وموزون، يعني: أن عِلَّة الربا الكيل والوزن، يعني: كل ما يكال أو يوزن فإنه يعتبر ربويا أي: ربا فضل مثاله: يعني: كل مكيل بيع بجنسه فلا بد أن يكون متساويًا، ولا يصح متفاضلا.

عندنا المكيلات هي ما كان أهل المدينة يبيعونه بالكيل كالتمر والزبيب والبُر والشعير والذرة والدخل والأرز، وكذلك ما ليس قوتا يعني: ما كان مكيلا، ولو لم يكن قوتا مثل: القهوة والهيل والقرنفل والزَّنجبيل، وكذلك ما ليس: أيضا- بمأكول ولا مطعوم كزهر الورد، والصابون التايد الآن، وكل ما كان يباع بالكيل.

يقولون: لا يجوز صاع بُر بصاعين بُر، هذا ربا، ولا صاع شعير بصاعين، ولا صاع بُر بصاعٍ وحفنة، ولا صاع تمر بصاعين، لا يجوز هذا، ودليله أن بلالا ذكَر أنه:"جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بتمر جيد فسأله أكل تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا يا رسول الله لا، والله إننا نشتري الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة. فقال: أَوَّهْ أَوَّهْ عين الربا لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيبه"

إذا أردت أن تشتري تمرا جيدا، وعندك تمر رديء، فالتمر الرديء تبيعه بدراهم، ثم تشتري بالدراهم تمرا جيدا من الذي تريد، فأما أن تقول: يا صاحب الجيد أعطني صاعا بصاعين، أو صاعين بثلاث، أو صاعين بأربعة فهذا عين الربا، لا يجوز، هكذا ورد هذا الحديث، وقد ذُكِر -أيضا- في حديث عُبادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلا بمِثل، سواء بسواء، يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربا، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد"

فنص في هذا الحديث على ستة أنها ربوية، أنه لا يباع تمرا بتمر إلا مثلا بمثل، ولا يباع برا ببر إلا مثلا بمثل، ولو اختلفت القيمة، معلوم أن القيم تختلف؛ وذلك لأن هناك نوع من التمر جيد غالٍ رفيع الثمن كالذى يسمى بالسكري أو نبت السيف، ثمنه رفيع، وأن هناك تمرا رخيص كالذى يسمى بالخضل -مثلا-، أو بالصفر أنه رخيص قد يكون الكيلو من هذا بعشرين من السكري، والكيلو من هذا بريال أو بريالين، لا شك أن هذا دليل على أنه ولو تفاوتت قيمته فإنه لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا مثلا بمِثل.

وإذا أراد إنسان عنده تمر -مثلا-: تمر براني أو صيحاني أو عجوة أو نحو ذلك، وأراد أن يشتري تمرا آخر، فإنه يبيع التمر الذي عنده بدراهم، ثم يشترى بالدراهم من التمر الذي يريده جيدا أو رديئا، فأما أن يقول: أعطني صاعا بصاعين فهذا ربا، أو صاعا بصاع ونصف فهذا ربا -كما في حديث بلال الذي ذكرنا-.

ومثله: البُر يختلف -أيضا- هناك بر يسمى الصمم، وبر اسمه الشارعي، وبر اسمه الحب -الحُباب-، وبر اسمه اللقيني، وأنواع هذه تختلف -أيضا- قيمتها فيكون بعضها صاعه بأربعة، وبعضها صاعه بستة، وبعضها صاعه بثلاثة، فإذا كان الإنسان عنده بُر رديء، ويريد أن يشتري جيدا باع الرديء بالدراهم، واشترى بالدراهم جيدا، وكذلك بالعكس، ولا يقول: أعطني صاعا بصاعين، أو صاعين بثلاثة، بل هذا من الربا مثلا بمِثل، ولو اختلفت القيمة إذا كان الاسم واحدا، هذا تمر، وهذا تمر، ولو كان هذا نوع، وهذا نوع.

تعرفون -مثلا-: أن الاسم يعمُّ تمر، ولكن كلمة تمر تحتها أنواع يسمى -مثلا- السُّلج نوع -مثلا- والروحاني نوع -مثلا- والنيفي نوع، والصفري نوع، والجميع تمر يسمى جنس، فالجنس تمر تحته أنواع، والبُر جنس يسمى بُر، ويسمى قمح، ويسمى حنطة كل هذه مسميات لاسم واحد، ولكن تحته أنواع -كما ذكرنا- فيقال: الصَّمم نوع، والشارعي نوع، وأشباه ذلك، فإذا أراد أن يشتري نوعا بنوع فلا يجوز إلا مثلا بمِثل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت