انتهينا مما يتعلق بالقرض، الذي بعده هو .. أحكام الرهن
الرهن الرهن هو في اللغة الثبوت ماء راهن يعني: راكد، ولزوم الشيء يسمى رهنا لزومه مكانه، قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) } {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21) }
وفي الحديث:"كل غلام مرتهن بعقيقته"
وعرفوا الرهن بأنه توثقة عين بدين يمكن استيفاؤه منها أو من ثمنها، وجعلوها من الوثائق، توثقة عين بدين.
معروف أن الدين هو ما يكون في الذمة، الشيء الذي ليس بمعين، الدين -مثلا- في ذمتك مائة ريال أو ألف لفلان نسميها دينا؛ لأنها ليست عينا، ليست معينة، إذا أعطيته -مثلا- من فئة خمسمائة أعطيته من فئة العشرة، فإنه يقبل ذلك، ولا يقال: إن هذا أن يعطيني من كذا وكذا كل هذا جائز، يقول: توثقة عين بدين، العين هي الرهن إذا رهنته -مثلا-: هذا الكيس فهو عين أو رهنته هذا البعير، أو هذه الأرض أو هذا البستان، أو هذه الدار، أو هذه الشاة، فهذه عين معينة وثيقة بدين، يمكن استيفاء الدين منها، لو قدر -مثلا- أنه قال: أقرضني خمسة آصع من الأرز، وأرهنك هذا الكيس من الأرز، هذا الكيس ما أحب أنني آخذ منه شيئا -مثلا-؛ لأنني أريد أن أبيعه عند الحلول أو نحو ذلك، ولا أحب أن آخذ منه، أقرضته خمسة آصع، أو بعته بعته -مثلا- خمسة آصع -مثلا- مائة أو نحو ذلك.
فالحاصل أنه إذا حل الدين، فإما أن يبيع هذا الكيس فستوفي دراهمك أو تستوفي -مثلا- دينك، وإما أن تأخذ دينك منه خمسة آصع، تأخذ من الكيس خمسة آصع.
يقول: كل ما جاز بيعه جاز رهنه، كل ما جاز بيعه جاز رهنه، حتى المماليك يجوز رهن العبد، ويجوز رهن الأمة؛ وذلك لأنه يجوز بيعها، وهناك ما يجوز رهنه دون بيعه، تقدم أنه لا يجوز بيع الثمر في رءوس النخل إلا إذا بدا صلاحها.
يعني: بيع، ولكن الرهن يجوز، فيجوز أن تقول: رهنتك ثمرة هذه النخلة، وهي لا تزال بسرا، وذلك؛ لأنه قد يكون الدين لا يحل إلا بعد خمسة أشهر، فإذا حل الدين، وإذا البسر قد صار رطبا أو تمرا، فيجوز بيعه، وكذلك -مثلا- لو قال: رهنتك هذا الزرع، وهو لا يزال عسفا، لا يزال نابتا صغيرا، معلوم أنه لا يجوز بيع الزرع إلا بشرط القطع في الحال، ولا يجوز بيع الحب في سنبله إلا بعدما يشتد، ومع ذلك يجوز رهنه؛ وذلك لأنه في العادة يمكن تأخيره إلى أن يشتد الحب، فعند ذلك يجوز البيع، ثمر يعني: كالنخل، والعنب، وزرع لم يبد صلاحهما، يجوز رهنهما، ولا يجوز بيعهما، ولا يجوز بيع القن دون ولده، يعني: إذا كان عند الإنسان -مثلا- أمة مملوكة، ولها ولد مملوك صغير، فهل يجوز بيع الأمة دون ولدها؟ أو يجوز بيع الولد دون أمه؟ لا يجوز، يقول في الحديث:"من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته"ومع ذلك يجوز رهن الأمة دون ولدها، يجوز رهن الولد دون أمه، وإذا حل الدين، فإننا نقول له: بعهما جميعا، وأوف الدين ولا تبيع الذي فيه الرهن، وإذا بيعا فثمن الأمة يأخذه الغريم، وثمن الولد يأخذه السيد الذي هو الراهن.
هل الرهن عقد لازم أو عقد جائز أو فيه تفصيل؟.
يقولون: لازم في حق الراهن، وجائز في حق المرتهن، فالمرتهن -مثلا- لو قال: أرهن لي الكيس، ثم رهنته الكيس لم تقدر أن ترجع، ولا تقول: رد علي كيسي حتى توفى الدين، أما هو فلو رده عليك وقال: وثقت بك ووثقت بذمتك، ولا حاجة بي إلى وثيقة، فأنا راض بذمتك، وخذ كيسك متى حل ديني أوفني، في هذه الحال يجوز.
يعني: يصير لازما في حق الراهن، وغير لازم في حق المرتهن متى يلزم؟ هل يشترط القبض؟ كثير من العلماء ... ، اشترطوا القبض.
بسم الله الرحمن الرحيم
متى يلزم؟ هل يشترط القبض؟ كثير من العلماء قالوا يشترط القبض، فلا يلزم إلا بالقبض، فإذا قلت -مثلا-: رهنتك عشرة أكياس التي عندي في بيتي، لم يقبضها المرتهن، فإنك تقدر على بيعها، أما إذا استلمها وأودعها في بيته أو في مخزنه، فإنك لا تقدر على بيعها، حتى توفي الدين، أو تباع ويوفى الدين منها، الدليل قوله تعالى: {* وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} فدل على أنه لا بد من قبضها، فلو -مثلا- أخرجه المرتهن إلى الراهن بطل اللزوم. فلو قال -مثلا- الراهن: أنا رهنتك الكتاب الفلاني، وأنا محتاج إليه أعطنيه أطالع فيه، وأقرأ فيه، فدفعته إليه بطل الرهن، وجاز له أن يبيعه، أو قال -مثلا-: أعطني السيف؛ لأقاتل به بطل رهنه، وجاز له أن يبيعه.
وآخرون قالوا: لا يشترط القبض في هذه الأزمنة، يكتفون بقبض الوثائق ونحوها، فإذا رهنه السيارة، قال: أعطني رقمها الذي يسمى الاستمارة، فيقبض وثيقتها هذه حتى لا يتمكن من بيعها؛ لأنه يقول: الرهن يبقى -مثلا- نصف سنة، فهل من المصلحة أن نعطل السيارة واقفة نصف سنة أو سنة؟ ليس هذا من المصلحة، نستغلها، فإن إيقافها ينقص قيمتها.
وهكذا -مثلا- لو رهنك دارا، فهل من المصلحة أن تغلق الدار سنة أو سنتين حتى يوفيك الدين؟ ليس من المصلحة إضاعة منفعتها، بل عليه أن يؤجرها أو نحو ذلك، فعرف بذلك أنه لا يشترط القبض، بل يكفي قبض الوثيقة قبض ما يسمى بحجة الاستحكام أو ما أشبهها.
يقول: لا يصح تصرف الراهن ولا تصرف المرتهن في العين المرهونة إلا استيفاء للمنفعة كما ذكرنا.
فلا يجوز للراهن أن يبيع العين المرهونة؛ لأنه يبطل حق المرتهن، ولا يصح للمرتهن -أيضا- أن ينتفع بها، فلا يلبس الثوب المرهون -مثلا- ولا يستعمل الأشياء المرهونة استعمالا يضر بها، يقولون: إذا كان الرهن مما يخشى فساده، فإنه يباع فلو رهنه شيئا يفسد كالفواكه ونحوها، فله أن يبيعها ويحتفظ بثمنها أو يقبضه من دينه.
التصرفات مثل: البيع والهبة والوقف، فلو قال الراهن: قد وقفت هذه الدار بطل الوقف، وكذلك لو قال: قد وقفت هذا الكتاب المرهون، أو هذه الأسلحة المرهونة بطل الوقف؛ لأنه تعلق بها حق للغير، وكذلك الهبة، لو قال: وهبتك الكيس الذي عند فلان رهنا لم تصح الهبة وأشباه ذلك، استثنوا من ذلك العتق. هل يصح إذا كان الرهن عبدا؟ أعتقته الراهن، هل يصح العتق أم لا؟
يقول: عتق الراهن يصح وتؤخذ قيمته منه رهنا، والقول الثاني أنه لا يصح؛ وذلك لأنه تعلق به حق للغير، تعلق به حق للمرتهن، فكيف يبطل حق غيره؟ لو كان عنده قيمة لأوفى الدين، إذا أعتقه من أين تؤخذ القيمة؟ قد يقول: ما عندي شيء أرهنه أو أدفعه كقيمة، ولكنهم قالوا: تؤخذ قيمته ولو أمتعة، إن كان عنده عبد آخر جعل بدله إن كان عنده -مثلا- سيارة أو دواب تستعمل من الأنعام أخذ رهنا مكانه، والقول الثاني: أنه لا يصح بيعه الرهن إذا كان يشترط قبضه، فإنه أمانة عند المرتهن أمانة في يده، فليس، لو تلف عنده ذهب على الراهن، إذا تلف فإنه يقع من ضمان الراهن.
كما أن منفعته للراهن، فلو أجر البيت فأجرته للراهن ولو احتاج -مثلا- إلى أجرة فهي على الراهن، إذا كان الرهن بعيرا فعلفه على الراهن، وإن كان استثنى إذا كان مركوبا، وكذلك أجرة الراعي على الراهن، وإذا كان الرهن -مثلا- أكياسا محتاجة إلى مخزن، فاستأجر له مخزنا، فالأجرة على الراهن، وإذا زاد فزيادته للراهن، وإذا ولدت الشاة فولدها رهن معها، وثمرة شجرة رهنا معها، وأجرة الدار رهن معها، وإذا نقص فنقصه على الراهن.
وهكذا وإن رهن عند اثنين، فوفى أحدهما انفك في نصيبه فإذا -مثلا- رهن شاة عند اثنين اشترى من هذا ثيابا، واشترى من هذا طعاما، وقال: الشاة رهن عندكم، ثم إنه أوفى واحدا منهما جاز أن يبيع نصف الشاه؛ وذلك لأنه أوفى نصفها انفك في نصيبه.
كذلك العكس إذا كانت -مثلا- شاة لاثنين، وجاء إليك، وقال: هذه شاتنا ونحن بحاجة فاشترى أحدهما -مثلا- طعاما بمائة، واشترى الآخر ثيابا بمائة، وقال نرهنك هذه الشاة التي هي بيننا نصفين، أوفى أحدهما نصيبه جاز أن يأخذ أو أن يتصرف في نصف الشاة، وكذلك لو كان مما ينقسم، لو رهنك كيسا، أحدهما -مثلا- اشترى فواكه، والثاني اشترى لحما ورهنك هذا الكيس، وهو بينهما نصفين، فأوفى أحدهما دينه، وقال: أعطني نصفي، فإنك تقسمه وتعطيه نصفه، والنصف الثاني يبقى للآخر.
بقية الباب نقرأه معا بعدين، إن شاء الله تعالى.
س: أحسن الله إليكم،! هذا سائل يقول: البعض يقرض خادمه، أو يقترض خادمة من صديقه له لمدة ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر نظرا لحاجته إليها، واستغناء كفيلها عنها، فهل هذا جائز؟.