الراهن، فإن لم تقدر على إذنه، إن أنفقت وأنت تقدر فلا أجرة لك، وإن لم تقدر على استئذانه، فإنك تستحق إما ما أنفقته، وإما أجرة المثل، الأقل منهما، وهكذا الوديعة التي يودعها عندك إنسان لتحفظها، فإذا أنفقت عليها، أنفقت على الشاة الوديعة، أو أنفقت على الكتاب أو أنفقت على البر -مثلا-، خشيت عليه الأكلة الدابة، فطحنته -مثلا- أو اشتريت له أكياسا تحفظه -مثلا-، أو نقلته -مثلا- في الشمس حتى تموت الدابة التي فيه وخسرت عليه -مثلا- عشرة، إن كنت نويت، فإنك ترجع، وإن كنت لم تنو فلا ترجع، ويكون الرجوع مثل ما ذكرنا بالأقل مما أنفقته أو من أجرة المثل.
يقول بعد ذلك: لو خرب الرهن فعمره رجع بآلته فقط.
إذا كان الرهن دارا فعمره، ركب عليه أبوابا ونوافذ -مثلا- وعمره ببلاط، أو بلبن، بلبنات بلوك، أو لبن الطين المعروف قديما، ففي هذه الحال يرجع بآلته فقط، يرجع باللبن البلوك أو الطين، ويرجع بالبلاط إذا أمكن قلعه وعدم تأثره، ويرجع بالأبواب وبالنوافذ -مثلا- وبالأنوار والمكيفات وما أشبهها، وبالفرش والكنب وما أشبهها يرجع بعين ماله، فإذا قال أنا أعطيت العمال، أعطيتهم أجرة على هذا، ليس لك ذلك، لا تعمره إلا بإذن المالك.
انتهينا من باب الرهن. الفصل الذي بعده فيه ثلاثة أبواب، باب الضمان وباب الكفالة وباب الحوالة، جمعها في فصل واحد لتقاربها.
الضمان: مشتق من الضمن، كون شيء في ضمن شيء يعني: في جملته، يعرفونه بأنه التزام جائز التصرف ما وجب على غيره وما قد يجب، التزام جائز التصرف، يعني: هو الحر المكلف الرشيد، ما وجب على غيره من الأموال ونحوها وما قد يجب، فإذا قال -مثلا- لصاحب البقالة: دين فلان الذي لك أنا أضمنه، أنا ضامن له، إذا لم يوفك فاطلبني أو قال لصاحب البقالة -مثلا-: ما أخذ منك فلانا أو استدان فأنا ضمين به، في هذه الحال يصح الضمان، يكون ضمانا، عرفنا أنه لا بد أن يكون جائز التصرف، وهو الحر المكلف الرشيد، فلا يضمن الصغير ولا يضمن السفيه، ولا يضمن المملوك، لا شك أن الضامن يقال: إنه يكلف نفسه، وأنه قد يتأثر، قد يتضرر؛ لأن الضامن إذا لم يوف المضمون عنه فإنه يطالبه صاحب المال، فيقول له: إما أن يوفيني المضمون عنه، وإما أن توفيني، فديني أنت الذي ضمنته، قد يعجز المضمون عنه فيكلف الضامن، ويقال: إما أن تضمن وإلا حبست، فالحاصل أن هذا ونحوه مما يدل على أن الضمان فيه مخاطرة، وقد يؤدي إلى حبس الضامن، ولذلك ذكر العنقري في حاشيته على الدر بيتا يقول:
بعض الضمان بصاد الصك ملتصق
فإن ضمنت فحاء الحبس في الوسط
فكم من ضامن تعرض للحبس مع أنه محسن، أحسنت إلى رفيقي وصديقي، وقال: اضمني في دين عليّ فاستحييت منه فضمنته، قد يكون الدين كثيرا، وكنت أعهده صاحب وفاء، وأعهده من أهل الأمانة، ولكن أخلف ظني، هرب بالدين الذي في ذمته، أو عجز أصبح مفلسا لا يستطيع، في هذه الحال يرجعون إلى الضامن، ويقال: أنت الذي التزمت بوفاء الدين، فيقول هنا: يصح ضمان جائز التصرف.
عرفنا أنه الحر المكلف الرشيد، فلا يضمن العبد؛ لأنه ليس له مال، ولا يضمن المجنون؛ لأنه لا يتصرف ولا الصغير؛ لأنه غير مكلف، ولا المحجور عليه الذي ليس له مال، أو ماله محجور عليه، ولا السفيه الذي محجور عليه لسفهه.
ما وجب: أي: ما قد ثبت من الدين، وما سيجب أي: ما سوف يأخذه، يعني: تقول -مثلا- لصاحب الدكان: دينك الذي لك أنا أضمنه، والذي سوف يأخذه فلان أنا أضمنه، يقول: ولا يصح ولا يشترط ضمان الأمانات، بل التعدي فيها، ضمان الأمانات لا حاجة إليه، الأمانة هي الوديعة، الذي يودعها صاحبها عند من يحفظها، سواء كانت من النقود أو من غيرها، فإذا أودعت عند إنسان ألفا فلا تحتاج إلى ضمان، لا تقل أودعك بشرط أن تأتيني بضمين، فإنه سيقول: أنا متبرع بحفظها، فكيف أضمنها؟ وكيف آتي بضمين؟ لو تلفت عندي، وأنا ما فرطت فيها، فإني لا أضمنها، أنا لا مصلحة لي من حفظها، أحفظها لك تبرعا، فإن أردت ذلك وإلا فأودعها عند غيري، وكذلك -مثلا- لو أودعت عند إنسان أكياس: مثلا- طعام أو ثيابا أو قدورا أو أواني فهو متبرع بحفظها، يحفظها لك مجانا، وديعة،