لا شك أن هذا من حيث العموم، البعض هذا معقود للصلح في الأموال، والغالب أنه يحصل به نزاع وشقاق، يحصل شقاق بين اثنين، ويحصل بغضاء وشنآن، ويحصل تقاطع وتشاجر، وقد يدوم الهجران مدة طويلة، قد يتهاجر الأخوان، أو الأقارب، ويبقى يعني: متهاجرين أشهرًا أو سنين مع أن الأصل في ذلك أمور دنيوية لا تساوي هذا التهاجر.
فالواجب أن يُصلح بينهما، أن يسعى ذوو الوجاهة ويصلحوا بينهما، ولو أن يتحملوا أموالًا لهؤلاء، أو لهؤلاء، كما في حديث قبيصة بن مخارق لما تَحَمَّلَ حَمَالة فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعينه فقال:"يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: رجل تَحَمَّل حَمَالة ..."
يعني: أن قبيصة رأى قبيلتين بينهما عداوة، وبينهما قتال، أو ما يقرب من القتال فجاء إلى هؤلاء، فقال ماذا تنقمون؟ فقالوا: إنهم أخذوا مالنا وأنهم قتلوا منا كذا وكذا. فقال: أنا أتحمل ما أخذوه من المال، وأنا أتحمل الديات التي تدعونها عليهم.
ثم جاء إلى الآخرين، فقال لهم: ماذا تنقمون؟ فقالوا: إنهم نهبوا منا، وإنهم جرحوا، وإنهم قتلوا، فيقول: أنا أتَحَمَّل ما تدعون به، فهذا الذي تحمل لهؤلاء ولهؤلاء، يحل له أن يأخذ من الزكاة، ويدخل في الغارمين، وما ذاك إلا لأنه مصلح، مصلح ومحسن {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} ولو كُلِّفَ أن يدفع من ماله لأجْحَفَ ذلك به، فلذلك جُعل له حق في الزكاة، وأدخل في الغارمين.
يقولون: الغارمون قسمان: غارم لإصلاح ذات البين، وغارم لنفسه، يعني: مدين لحاجات نفسه الضرورية، فقدموا الغارم لإصلاح ذات البين وجعلوا له حقًا في الزكاة المفروضة، الذي عندنا هنا الصلح في الأموال، وأما الصلح في الدماء فذكروه في كتاب القصاص.
فالصلح في الأموال قسمان: صلح على إقرار، وصلح على إنكار. الصلح على الإقرار هو أن يعترف بحقك، يقول: نعم، أنا معترف أن له عندي مال، إما دين، وإما قرض وإما قيمة متلف، أنا الذي هدمت جداره، أو قطعت شجره، أو أنا الذي استقرضته، عندي له مال.
فهذا ذكروا أنه نوعان، صلح على جنس الحق، وصلح على غير جنس الحق، قد يقول: نعم، أنا أعترف أن عندي له غنما أو عندي له إبلا، ولكن لي فيها حق، أنا أنقذتها مثلًا من الضياع، أو أنا علفتها، أو حفظتها مدة طويلة، فلي فيها حق.
صاحب الغنم مثلًا، أو الإبل يقول: ما وكلتك تحفظها، ولا وكلتك تنقذها، أعطني دوابي وأولادها، فيتنازعان، ففي هذه الحال يسعى أهل الخير للصلح بينهما، فإذا قالوا: لك نصفها أيها المحسن الذي حفظتها، لك ربعها لك واحدة منها مقابل تعبك، ومقابل مثلًا علفك وحفظك، فلك جزء منها، هذا صلح على جنس الحق.
مثل أن يقر له بدين يعني: بدراهم، دين أو بعين مثل أن يقر له بهذه الأغنام، هذا عين، عين مال، أو يقر له بهذه الأكياس، ويقول: نعم هذه الأكياس له، ولكني وجدتها في برّيّة وخفت عليها أن تسرق، فنقلتها على سيارتي، وأتيت بها من مكان بعيد فلي حق فيها.
صاحبها يقول: ما وكلتك تنقلها، وأنا أعرف مكانها، وأعرف أنها في مكان مأمون، فلماذا تنقلها؟ فيتنازعان، هذا يقول: لا حق لك فيها؛ لأنك تجرأت ونقلتها، وهذا يقول: لي حق فيها؛ لأني نقلتها؛ ولأني أنقذتها، أنقذتها من الطيور مثلًا، وأنقذتها من اللصوص، وأنقذتها من الدواب، فيدعي فيها حقًا.
فالصلح صفته: أن يضع له من الدَّيْن، أو يهب له البعض، ويأخذ الباقي، المدين يقول: صحيح عندي له مثلًا عشرون ألفًا، ولكنه غلبني وزاد علي في الثمن، أو أن فيها شبهة، فالمبايعة فيها شبهة، شبيهة بالربا أو بيع الغرر، أو ما أشبه ذلك فيدعى شبهة فيها، عشرة آلاف يصطلحان ويقول: أضع عنك ألفين، وأعطني الباقي ثمانية الآلاف.
يُسمى هذا صلحًا عن دَيْن مع الإقرار، مقر بالدين، ولكن يدعي أن له حقا أو أن له شبهة فيدعي: أنك غلبتني حيث بعتني غاليًا، أو أنك خدعتني حيث أوقعتني في شيء، لا فائدة فيه، ومدحت السلعة، وهي ليست جيدة، أو مثلًا أنك بعتني بيعًا مشتبها، فيه شيء من الشبهة، وهو أن هذا البيع، إما بيع مجهول، وإما بيع قبل قبض، أو ما أشبه ذلك.