أما أن تسكن في هذا البيت الذي بثمانمائة، أو بمليون هذا بيت أثرياء وأغنياء، وأنت فقير، فيشتري بيتًا بمائتين أو بثلاثمائة يسكنه فيه، ويقسم البقية الزائدة على الغرماء، إذا كان عنده مثلًا سيارة قيمتها ثمانون ألفًا يبيعها، وإذا قال: أنا لا أستغني، يشتري له سيارة بثلاثين ألفًا، أو بعشرين ألفًا، ولو مستعملة، ويقول هذه سيارة الفقراء، لا تشتري سيارة الأثرياء الأغنياء.
وكذلك أيضًا متاع بيته، إذا كان عنده شيء زائد يبيعه، فإذا كان عنده مثلًا عدد من الصحون، وعدد من القدور، وعدد من الكئوس، وعدد من الأفرشة، الفرش وما أشبهها، يترك له الشيء الضروري، ويبيع البقية ويقسم ثمنها، وهكذا أيضًا يترك له الشيء الذي هو بحاجة إليه، يعني بحاجة إلى غسالة، أو ماكينة خياطة إذا كان خياطًا، أو ثلاجة صغيرة مثلا بقدره، أو ما أشبه ذلك حتى يبرئ ذمته.
إذا كان هو عنده مثلًا، إذا كان هو صاحب حرفة ترك له آلة حرفته، فإذا كان خياطًا ترك آله الخياطة، وقال: تَكَسَّبْ وأنْفِقْ على نفسك، وَأَوْفِ بقية دينك، إذا كان مثلًا غسالًا، فكذلك إذا كان حجامًا ترك له آلة حجامته، إذا كان مثلًا بَنَّاءا ترك له آلة بنائه التي يشتغل بها ويبني، وهكذا بقية الحِرَف.
أما إذا كان مثلًا صاحب ماشية فيبيع من ماشيته ما يستغني عنه، يترك له غُنَيْمَة مثلًا يشرب لبنها، ويبيع من نسلها إلى أن يوفي دينه، وهكذا، فالحاصل أن هذا دليل على عظم شأن الدين؛ لأنه حق آدمي؛ ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعيذ منه، فيقول في الدعاء المأثور:"اللهم إني أعوذ بك من الهم والغم، والجبن والبخل، والكسل والهرم، وسوء الأخلاق وشماتة الأعداء، وضلع الدين وقهر الرجال"ضلع الدين: يعني ضرره وهمه وأثره.
يقول:"ومن لم يقدر على وفاء شيء من دينه، أو هو مؤجل تحرم مطالبته، ويحرم حبسه وكذا ملازمته".
وبذلك يعرف أنه يمكن أن يقسم الناس بالنسبة للدين ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من ماله أكثر من دينه.
والقسم الثاني: من ماله أقل من دينه.
والقسم الثالث: من ليس له مال. ليس عنده قدرة على الوفاء، لا مال عنده.
فإذا كان ماله أكثر من دينه، أو بقدر دينه، فلا يحبس، ولا يحجر عليه، ولكن يكلف أن يوفى دينه، وإذا كان ماله أقل من دينه حجر عليه بطلب غرمائه، وإذا لم يكن له مال لم يحجر عليه؛ وذلك لأنه معسر، بل يؤمر بأن يتكسب، وبأن يحترف إلى أن يجمع ما يوفي دينه، ويسد حاجته.
والدليل قوله -تعالى-: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} النظرة يعني: التأخير، أنظره يعني: أخره إلى ميسرة، ولا يحل لكم أن تطالبوا وهو معسر، ثم في هذه الأزمنة يكثر الذين يتحملون الديون، ثم يدعون الإعسار، وإذا ادعوا الإعسار، أخذوا يتسولون، وأخذوا يطلبون من الأثرياء، ومن الأمراء، ونحو ذلك.
ولا شك أن كثيرا منهم ليسوا صادقين بل أهل حِيَل، فلذلك القضاة إذا ادعى الإعسار لا يقبلون منه إلا بعد سجنه، فيدخل السجن فإذا صبر في السجن مثلًا نصف سنة، أو سنة، أو نحوها عرف بذلك صدقه، وقبل ذلك لا بد أن يبحث عن ملكه ماذا يملك؟ هل عنده عقار يستغني عنه؟ هل له رصيد، وحساب في أحد المصارف؟
هل له غرماء يطلب منهم مالًا؟ أي: عندهم له أموال وديون، لا بد أن القاضي يستفصل ويبحث، وكذلك أيضًا الذين يدفعون إليهم شيئًا من الزكوات تبرأ ذمتهم، إذا أعطى الإنسان زكاته لمن يعتقده فقيرًا، ولو كان في نفس الأمر غنيا، فإنه يعتبر قد برئت ذمته؛ لأن الغارمين لهم حق في الزكاة، جعلهم الله من جملة أهل الزكاة.
فلا بد للقضاة أن يتثبتوا وأن يتحققوا، كذلك أيضًا كثير من الناس يستدينون أموالًا كثيرة ثم يسرفون فتجدهم يبنون مباني فاخرة يصرفون عليها مئات الألوف مع إمكان الاقتصاد، فالأولى بالقاضي مع هؤلاء أن يكلف أحدهم، ويقول: نبيع عمارتك هذه التي تساوي مثلًا مليونا، أو أكثر وتشتري لك عمارة مثلًا بثلاثمائة، أو نحوها ونوفي الدين، فأنت قد أسرفت، أخذت أموال الناس وصرفتها في هذه الزينات، وفي هذه الأنواع التي زخرفت بها هذا البناء.
فهذا يعتبر من الإسراف، فلا يقبل منه، ولا يقول: اسجنوني حتى توفي عني الحكومة، أو ما أشبه ذلك، بل على القاضي أن يتثبت، وأن لا يصدق كل من يدعي. فقد يكون هناك كثير من المحتالين، ظهر لبعض القضاة حيل كثير منهم: