فهرس الكتاب

الصفحة 318 من 722

إذا كان منكرا وزورا فلا تتوكل فيه، إذا وكلك فقال: اذهب إلى امرأتي، وقل: إن فلانا يقول: أنت علي كظهر أمي. فقل: لا أقول هذا، لا أفعله؛ لأن الله سماه زورا، فلا أوكل في منكر، ولا أتوكل في زور.

الثاني: اللعان، لا يصح التوكيل فيه لماذا؟ لأنه يقترن به شهادات وأيمان ودعاء، اللعان ذكره الله -تعالى- في القرآن، ونسبه إلى الزوجين قال: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) }

فلا يصح التوكيل فيه، فلا يقول: يا فلان اذهب فاشهد عني والعن نفسك عني؛ لأن الزوج يقول: لعنة الله عليَّ إن كنت من الكاذبين، ويقول: أشهد بالله أن امرأتي هذه زانية، وأني لمن الصادقين أربع مرات.

وكذلك المرأة تقول: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين، ثم تقول: غضب الله عليها إن كان من الصادقين، فلا يجوز أن يكون موكلا في اللعن، ولا في الغضب؛ لأن هذا دعاء على النفس، ولا يقول: مثلا لعنة الله على فلان إن كان من الكاذبين، هذا شيء يتعلق بالضمير، فلا يجوز التوكل فيه.

كذلك مثلا الأيمان، لا يجوز التوكل فيها لماذا؟ لأن الحالف يستحضر عظمة الرب عند الحلف، فلا يقول: يا فلان وكلتك تحلف عني إذا توجهت إليك يمين في خصومة، إذا قال القاضي: البينة على المدعي واليمين على من أنكر، احلف يا مُنْكِر، أنت الذي أنكرت عليك اليمين، فلا يقول: وكلتك يا فلان تحلف عني لماذا؟

لأن الحلف يتعلق باستحضار عظمة المحلوف به، فالذي يحلف بالله، أو بصفة من صفات الله عندما يحلف يستحضر عظمة الله، فيحمله هذا الاستحضار على أن يعترف بالحق، وعلى أن لا يتجرأ على الحلف كاذبا ويستحضر أنه إذا حلف كاذبا، فإن عليه عقوبة شديدة، كقوله - صلى الله عليه وسلم -"من اقتطع مال امرئ مسلم بيمين هو فيها كاذب لقي الله وهو عليه غضبان"

فالحاصل أن اليمين لا تدخلها النيابة، ولا يحلف أحد عن أحد، يقول:"وفي كل حق لله تدخله النيابة"أي: من العبادات ما تدخله النيابة، فيجوز التوكيل فيه، فتوكله يُفَرِّق صدقتك، أو زكاتك، توكله يفرق كفارة النذر، أو كفارة اليمين، تقول: يا فلان عليَّ يمين، إطعام عشرة مساكين، وكلتك تطعمهم هذه الدراهم، تشتري طعاما وتطعمهم.

وكلتك على ذلك، يجوز كذلك، مثلا تعطيه زكاة مالك يفرقها. وكلتك تفرق هذه الزكاة على المساكين الذين تعرفهم، وتعرف استحقاقهم، وكذلك كفارة اليمين، وكفارة النذر، هذه من الأمور المالية، هناك من العبادات ما يصح التوكل فيه خاصة الحج والعمرة.

وردت الإنابة فيهما فيجوز أن يوكل العاجز، ويقول: يا فلان خذ هذه النفقة، وحج عني أو حج عن أبي الميت، وكلتك تحج عني، أو عن أبي، أو تعتمر، وتجعل عمرتك عن أبي، أو عن أخي تعطيه نفقته، فهذه هي التي يصح فيها التوكيل من العبادات.

وأما غيرها فلا يصح التوكيل فيها، بقية العبادات لا يصح أن يُوَكَّل فيها، ذكر لي بعض الإخوان الذين يظهر أنه مر على بعض الشباب المتهورين، فقال لهم: اذهبوا إلى المسجد، أدوا الصلاة معي مع الجماعة، فقالوا بعبارتهم: أنت بالنيابة، يعني: كأنهم يقولون: صل عنا.

هذا من الاستهزاء، لا شك أن الصلاة عبادة بدنية، لا يصح التوكل فيها، لا يصح أن يصلي أحد عن أحد؛ لأنها عبادة تتعلق بالبدن، ولا تسقط عن الإنسان إلا إذا أداها بنفسه، وإذا عجز لمرض، فإنها تسقط عنه، إذا لم يستطيع أدائها؛ لشدة المرض، أو لإغماء، أو ما أشبه ذلك.

وكذلك الصيام عبادة بدنية، سمعت أيضا إنسانا رأيته كبيرا، يمكن أنه يدعي أنه مسافر، ولما شرب من الماء، والناس ينظرون، فأنكر عليه بعضهم، فقال: هذا ما صام، فقال ذلك: أراك تصوم عني، أو أنت تصوم عني، ويظهر أنه ... أرى أنه أراد بذلك الاعتذار، لو قال: إنني مسافر كان أقرب إلى عذره.

مع أنه إذا كان في البلد فلا يحل له أن يُظْهر الأكل أمام الناظرين، أمام الناس إذا كان مفطرا، ويدعي أنه مسافر فعليه أن يمسك، ولا يأكل ولا يشرب إلا خفية؛ لأن الناس يستنكرون منه أكله في رمضان، إعلانا أو شربا، وبكل حال فالعبادات البدنية لا يجوز التوكل فيها، عرفنا ما يصح التوكيل والتوكل فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت